كما هو الفضاء السياسي المصري العام أتت الانتخابات الطلابية في الجامعات المصرية حاسمة في "محاولات" تحررها من سطوة الإخوان المسلمين، وهي عكس ما رأينا في أخر 4 انتخابات للنقابات مهنية، فرعيات المحامين والبيطريين والصحفيين والصيادلة خلال الشهور الأخيرة التي تراجعت فيها حظوظ الإخوان بشكل واضح، ولكن أتت الانتخابات الطلابية الأكثر تسيسا وتمثل مجالا للنشطاء الشباب والطلاب مبشرة في بداياتها بفوز القوى المدنية ولكن تراجعت في المستويات العليا منها لصالح شباب التيارات الإسلامية الذين كانوا أكثر قدرة على عقد التحالفات والتوازنات فيها، وهو ما يشبه حال التيار المدني السياسي بعموم، الذي لا زال يرفض قطاعا عريضا منها اتهاما لهم بأنهم محسوبون على النظام السابق أو عدم سعي للتحالف من أجل الفوز في التنافسية الانتخابية، وهو ينحيه الإخوان جانبا دائما في معاركهم السياسية والانتخابية، مما يجعل الانتخابات الطلابية الأخيرة تشبه القوى المدنية في ارتباكاتها وضعف قدرتها على التنافسية المستمرة عبر التحالفات وسياقات المرحلة والتحدي. ساء الأربعاء 20 مارس سنة 2013، كادت أن تكتمل ملامح أحدث إتحاد طلاب لجامعات مصر، بعد ثورة يناير 2011، ماعدا جامعة بورسعيد التي لم تتم انتخاباتها، بسبب أحداث المدينة المشتعلة بشكل أكبر من سواه في العديد من محافظات الوجه البحري والقاهرة وكما شاهدنا في أحدث المقطم الأخيرة أيضا أخريات هذا الشهر!
أفرزت الإنتخابات التي أعلنت آخر نتائجها الأربعاء 20 مارس، 38 طالبا، يمثلون الجامعات الحكومية، يضاف إليهم 2 من جامعة الأزهر، تضم ١٦% من طلاب التعليم العالي الحكومي. في انتظار اختيار ممثلين اثنين لاتحادات 16 جامعة خاصة، ومثلهما للمعاهد العليا، ليكتمل عقد المجلس العام للاتحاد، الذي يمثل مليونين ونصف المليون طالب، هم كل قوة التعليم العالي، حكومي وخاص وديني.
38 طالبا، تمت تصفيتهم عبر 5 مراحل، بدأت الأولى بأكثر من 10 ألف مرشح تقريبا، لكننا نعرف أن جامعة القاهرة، تنافس فيها 1985 طالبا، وظلت عشرات المقاعد، بالمستوى الأول خالية، وهو ما يعني تسمية إدارة الجامعة طلابا لشغلها، وعشرات آخرى حُسمت بالتزكية، وهو نفس حال باقي الجامعات، فنسبة المقاعد التي لم يترشح عليها أحد بلغت، مثلاً، 11% في جامعة حلوان.
من بين ألـ 38 طالبا، رؤساء ونواب رؤساء إتحادات الجامعة، 19 "إخوان"، و9 "مستقلون"، 4 منهم أقرب للقوى المدنية، و2 أقرب لتحالف مصر القوية. المدهش أن القوى المدنية لم تحقق نجاحا لافتا في المستوى الأعلى، الإتحاد العام، رغم تواجدها القوي في المستويات الأدنى، انتخابات الفرق ثم الكليات، بسبب رفضهم إجراء تحالفات مع من يصفونهم بالفلول، وهو نفس موقف شباب التيار الشعبي، الذي يقوده حمدين صباحي، والدستور، الذي يقوده محمد البرادعي، في جبهة الإنقاذ، الرافض لتواجد عمرو موسى وحزب الوفد، ولأي تواصل مع جبهة أحمد شفيق، بينما خصمهم، الإخوان، فضلا عن كونه كان جزءا من شرعية النظام السابق وشارك في انتخابات قاطعها الجميع العام 2010 في مرحلتها الأولى، نجده في مجال السياسة ينحي الأيدولوجية جانبا لتحضر المصلحة وظروف الوقت أو فقه الوقت حسب تعبيراتهم.
وهكذا خرج الدستور برئيس إتحاد الأسكندرية ونيابة عين شمس، والتيار الشعبي برئاسة كفر الشيخ وحلوان، و"يحسب" عليهما معا، الفائزان في طنطا، رغم تصنيفها كـ"مستقلين"، بينما حصد تحالف الخارجين من الإخوان، الذي ضم "صناع الحياة"، أنصار الناشط الدعوي عمرو خالد، وحزب مصر القوية، بقيادة عبد المنعم أبو الفتوح، وأحزاب الوسط والتيار المصري والنهضة، 5 مقاعد.
مرونة الإسلاميين في صوغ التحالفات
يبدو تعبير "مستقل"، مُربكا ، ففي تصنيفات "المرصد الطلابي، مؤسسة حرية الفكر والتعبير"، الأكثر متابعة للنتائج، ستجد "مستقلين"، هكذا مطلقة، ومستقلون متحالفون مع بقايا الاتحادات السابقة للثورة، مما يعرفون إيجابيا بـ"طلبة الأنشطة"، وسلبياً بـ"طلبة الأمن"، أو الفلول، ومستقلون متحالفون مع الإخوان، .. ومع تيارات مدنية.
وضمن الارتباك، ستجد مرونة مثيرة في التحالفات، دائما من الإخوان ومن الخارجين عليهم من التيارات الإسلامية الأخرى ك مصر القوية أو صناع الحياة، ففي فرقة أو كلية ما، يتحالف "الخارجون منهم" مع ليبراليين أو مستقلين، أو سلفيين، والجميع ضد طلاب الإخوان، وفي كلية آخرى، أو مستوى أعلى، يعود "الخارجون" لحضن الأم، الإخوان، التي تنوعت تحالفاتها بين الفلول، والمستقلين، والسلفيين. وتمترس طلبة التيارات المدنية، في دائرة أضيق، سمتها فاطمة الوكيل، مسؤولة طلاب التيار الشعبي "مبدئية"، "حتى لو خسرنا المقاعد"، وفق تعبيرها، ليُستبعد منها، مع الإخوان، من يسمون بالفلول، وهم الكتلة الأنشط بمعظم الجامعات، الموازون لما يُعرف بـ"حزب الكنبة" في الفضاء العام.
"مرونة" الإخوان أكسبتهم، ضعف حصادهم في المستويات الأدنى. رصدنا ذلك في 4 جامعات منها فازوا بـ 8 مقاعد في الإتحاد العام، هي: بني سويف، والزقازيق، والمنصورة، والمنيا. في الأخيرة نموذج ملفت لمرونتهم، فبعد تراجعهم أمام قائمة "كلنا واحد" التي تضم "مدنيين مستقلين" وطلبة القوى المدنية، التي حصدت بالمستوى الأول 61.8 %، مقابل 29.8 % لتحالف أحفاد البنّا والسلفيين، الذين مارسوا "مرونتهم" في المستويات الأعلى ليخطفوا "المدنيين المستقلين"، ليفوزوا في النهاية برئيس اتحاد الجامعة، في حين ذهب النائب لـ"مستقل". وفي تدرجات صعودهم، ستجدهم يتحالفون مع سلفيين في كليتي الصيدلة والطب، ومع "الخارجين منهم" في كلية الهندسة، ويتحركون منفردين في ست كليات.
ووجد الإخوان من نافسهم في المرونة، تحالف طلاب مصر القوية وصناع الحياة، الذين خطفوا من أبناء عمومتهم جامعتي أسوان وسوهاج، وكانت لهم، عامة، حصص فاعلة، في جامعات مثل أسيوط، رئيسها ونائبه مستقلان، وقناة السويس، وهندسة شبرا، جامعة بنها، التي اكتسحها التحالف المدني مع المستقلين، وقدّر متحدث باسم مصر القوية حصتهم الإجمالية بـ 10%.
ظهرت مرونة القوى المدنية فقط في الأسكندرية، فقد حصد طلاب الأنشطة 64 %، وأحفاد البنّا 21 %، والتحالف المدني مع مستقلين، ومع الخارجين من الإخوان 16 %، لكن المحصلة النهائية كانت فوز طالب من الدستور برئاسة الإتحاد، ووصف نائبه بـ"مستقل مدعوم من مصر القوية".
تراجع حظوظ الطالبات واختفاء الأقباط
هكذا كان حال طلاب القوى السياسية عامة، يفقدون أوراقهم تدريجيا مع الصعود لأعلى، وحالهم، مع ذلك، أفضل نسبياً من الطالبات، اللاتي تمثلن 47.5% من إجمالي طلبة التعليم العالي، فرغم تواجدهن الفاعل في المستوى الأول، يتراجعن في الأعلى، لتقتصر حصتهن دائما على مقعدين، من مقاعد كل جامعة، وبعضها لوجود كليات قاصرة عليهن فيها، كبنات عين شمس والتربية الرياضية بنات بالأسكندرية.
قبطيا، اختفى المسيحيون، الذين غابوا منذ سيطر الإسلاميون على اتحادات الطلبة، وعادوا "رمزيا"، مع أول انتخابات بعد ثورة يناير العام الماضي 2012، حين نجح قبطي في الفوز بنيابة جامعة القاهرة، في مواجهة مرشح الإخوان، التي لم تتجاوز حصتها، حينها، 20%، في كل جامعات مصر، بينما هيمن الإخوان على غالبية الاتحادات الطلابية التي لم تعترف بها باقي القوى السياسية، وحتى خلاله لم ينجحوا في الفوز بالجامعات الأكبر، القاهرة، الأسكندرية، حلوان، أسيوط، عين شمس، إلا بمقعد نائب في الأخيرة.
مع المستويات الأولى لإنتخابات طلاب جامعات مصر هذا العام كانت البداية مبشرة للقوى المدنية ولكن لم تحقق توقعاتها آخرا، فقد هللت القوى المدنية فرحا، وأقر المتحدث باسم الإخوان في جامعة عين شمس، في تصريح لسفير اللبنانية بإن "هناك تراجعاً في نتائجنا مقارنة بالعام الماضي". لكنهم عادوا، من خزين "المدنيين"، لا من قوتهم الذاتية، بـ 45%، من قوة الإتحاد العام، مبدئيا، وربما انتهت المعركة بهيمنتهم على اتحاد طلاب مصر، الذى سيكون رئيسه "الممثل الرسمي" لمليونين ونصف المليون طالب جامعي.
رؤساء ونواب الجامعات
1- القاهرة: مستقلان
2- عين شمس: رئيس مستقل، نائب دستور
3- الإسكندرية: رئيس دستور، نائب تحالف مصر القوية
4- بنها: رئيس مستقل، ونائب دستور
5- السويس:رئيس مستقل، نائب إخوان
6- الزقازيق: رئيس ونائب إخوان
7- جنوب الوادي، قنا: رئيس ونائب إخوان
8- دمياط: رئيس ونائب إخوان
9- دمنهور: رئيس ونائب إخوان
10- بنى سويف: رئيس ونائب إخوان
11- المنيا: رئيس ونائب إخوان
12- سوهاج: رئيس صناع الحياة، نائب مصر القوية
12- أسيوط: رئيس ونائب مستقلان، محسوبان على مصر القوية
13- كفر الشيخ: رئيس تيار شعبى، نائب تيار مدنى
14- طنطا: رئيس ونائب مستقلان، محسوبان على التيار المدني
15 – المنصورة: رئيس ونائب إخوان
16- حلوان: رئيس تيار شعبي، نائب مستقل مدعوم من المدنيين
17- أسوان: رئيس ونائب مصر القوية
18- الفيوم: رئيس ونائب إخوان
19- بور سعيد: لم تتم بها الإنتخابات
20- الأزهر: رئيس ونائب إخوان
* أعد الدراسة الباحث محمد طعيمة