يرجح الكثيرون أن اغتيال المناضل والمفكر اللبناني حسين مروة (1910 – 1987) أحد رواد النزعة الإنسانية والمادية في الفكر العربي المعاصر، قد اغتاله نظام حافظ الأسد في لبنان ولم ترحم شيخوخته التي تجاوزت السبعين، لا لشيئ إلا لأنه ندد آنذاك بالعسكر العرب الذين حنثوا باليمين المقدس الذي أدوه لدى التخرج من الكلية العسكرية وتعهدوا فيه باستخدام السلاح لحماية الوطن من العدوان الأجنبي والحفاظ على استقلاله ووحدة أراضيه ، وعوضا عن ذلك وجهوا السلاح الى صدر المواطن العربي واغتصبوا السلطة وأقاموا أنظمة القمع والاستبداد والفساد.
وزاد على ذلك الضابط السابق حافظ الأسد الذي تفوق في القتل وإراقة دماء أبناء شعبه وشعوب جيرانه في لبنان وفلسطين وغيرها ، والإيغال في نهب ثرواته بل أنه حول البلد الى مزرعة عائلية يورثها لأولاده من بعده، واستند حافظ الأسد اساسا في انطلاقته من حقيقة أن حزب البعث الذي اختبأ تحت عباءته منذ البدء أدرك أنه لن يصل إلى السلطة بصورة شرعية عبر صناديق الإقتراع، فقّرر أن المؤامرة العسكريّة هي الطريق الوحيد وهذا ماثبته في خطابه وأدبياته وممارسته، عراقيا وسوريا ونظريا، كما أن المؤامرة العسكريّة ليست من نتاج براعة حزب البعث التسلّطيّة وحسب، بل أن الجهاز الحزبي لايعرف فقط كيف يحضّر لإنقلاب، وإنما كيف يقضي على إنقلابات مضادة، وهذا ما جعل حافظ الأسد يتمرس ورفاقه في التآمر من خارج السلطة ومن داخلها لعقود قابضين على السلطة أو التسلطية في سوريا المعاصرة طوال أربعة عقود.
وهكذا فاذا كان هناك من ينتظر ان يصدر التاريخ حكمه على وريثه بشار الأسد، فمن المؤكد أن التاريخ قد أصدر بالفعل حكمه ومنذ فترة طويلة بالأساس على أسرة الأسد- الوارث والموروث- ممثلة بالأب المتوفي حافظ الأسد بالدرجة الأولى، وبالطبع على الإبن الوريث منذ البدء .
فالحكم يقوم على المبدأ والنظام قبل أن يكون قائما على أشخاص وتنظيمات أو شعارات، بل بالالتزام بالوعود والبرامج الموعودة وما كان أكثرها في أدلوجة الوحدة العربية البعثية، وإن كان هناك من علق عام 2000 آمالا على الإبن لدى توريثه السلطة غير الشرعية أساسا، وبصورة كاريكاتورية جزئيا كان الكثيرمن المؤرخين والمراقبين يؤكدون موضوعيا أن المعطيات في الواقع السوري والإقليمي لن تسمح له بالتغيير، وذاتيا فإن طبائع الابن الوريث ليست على هذا المستوى المناسب لمهام الحكم ومسؤولياته، أي أنه لا يمكن أن يكون شخصية تتخذ قرارا تاريخيا في التغيير تتحمل كل تبعاته لا سيما في مواجهة نظام أمني يقوم على تركيبة طائفية معقدة ومحكمة السبك ذات قدرة متميزة على الإجرام الدموي وبث الرعب كسلاح أساسي والمراوغة واللعب القذر إقليميا ودوليا، لذا فكل يوم حكمت فيه أسرة الأسد- برأيي كان لاشرعيا ويفضي بالضرورة الى سقوطها المؤكد لدى نضج الظروف الموضوعية لذلك ، فمنذ البدء لم يكن هناك لدى نظام الأسد أي مشروع حضاري أو قومي محدد المعالم والأهداف وإنما حدد مهمته الأساسية في تحويل سوريا الى مزرعة لأسرته تحكم الى ماشاء الله .. ولعل في خلاف البعثين النظامين السوري والعراقي والتحالف غير المقدس بين الأول وبين نظام الملالي في إيران يضرب فكرة القومية العربية في سويدائها رغم تدثرها بها طويلا!
تكررت في الآونةالأخيرة تصريحات رسمية لحلفاء نظام الأسد لاسيما من ايران وغيرها مفادها أن نظام بشارا لأسد هو النظام الشرعي المعترف به داخليا وإقليميا ودوليا وهو الممثل الوحيد للشعب السوري، وطبقا للقوانين الدولية لامانع في تزويده بالسلاح والعتاد والدعم المادي ..
ولكن إذا وضعنا تحت المجهر هذه المسألة وبتحليل تاريخي بسيط نصل الى نتيجة مختلفة تماما ..وفي الواقع فالإجابة الموضوعية والعلمية على السؤال المطروح ، أي ماإذاكان نظام بشارالأسد الحاكم في سوريا شرعيا أم لا ، ليست بالأمرالعسير . كما أننا هنا يجب ألا ننسى أن أهم معضلة ظلت تواجه نظام حكم أسرة الأسد هي شرعيته ..فهذا التساؤل الكبير قائم منذ عشرات السنين، قبل توريث بشار الأسد السلطة عام 2000 ويعود بالتحديد الى عام 1963 عموما وعام 1970 خصوصا .
ففي 8 آذار عام 1963 وقع انقلاب عسكري لاشرعي بالطبع في سوريا قاده العميد زياد الحريري الذي زحف بقواته المرابطة في الجبهة مع اسرائيل وعاد بها الى دمشق بمعونة عدد محدود من الضباط منهم ضابط بعثي واحد هو النقيب سليم حاطوم .وأعاد فيه مجموعتين رئيسيتين من الضباط المسرحين الى الخدمة هما البعثيين والناصريين .وعاد من بينهم النقيب المسرح في الإنفصال حافظ الأسد الذي اجتمع مع أربعة ضباط آخرين وشكلوا لجنة عسكرية تآمرية وهؤلاءالضباط مع الأسف كانوا كلهم من الأقليات : العقيد محمد عمران (علوي) والرائد صلاح جديد (علوي)‘ والنقيب حافظ الأسد (علوي ) ، والنقيب عبدالكريم الجندي (اسماعيلي) ، والرائد أحمدالمير (اسماعيلي)، ونصبت هذه اللجنة نفسها وصيا علي الجيش في فترة حاسمة وتحكمت بتنقلات الضباط بما يوطد سلطتهم الى حد بعيد ..
وعقب الخلاف بين المدنيين من مؤسسي حزب البعث – عفلق والبيطار وغيرهم والعسكريين قام صلاح جديد ومجموعته بانقلاب 1966 واستولوا على السلطة..وعقب خلاف بين الأسد وجديد حول تسليم الجولان في حرب عام 1967والموقف من القضيةالفلسطينية قضى حافظ الأسد بمساعدة شقيقه الصاعد آنذاك رفعت الأسد على دائرة الأمن القومي برئاسة عبدالكريم الجندي وسيطر على الجيش وبالتالي على مقدرات البلاد منذ عام 1968. ثم سيطر تماما بانقلابه "التصحيحي" عام 1970 وحكم بصورة غير شرعية تماما مدة ثلاثة عقودعبرعدة إجراءات أٍساسية تمثلت في :
- سيطرة محكمة لعدد كبير من الأجهزة الأمنية والمخابراتية التي كانت لاتعرف الرحمة في تعاملها مع المعارضين أوالمشكوك بأمرهم أو حتى الأبرياء وكانت مستقلة عن بعضها البعض ويمسك الأسد بخيوطها وحده، عبر شن حملات اعتقال قاسية وعمليات تعذيب في أقبيةالأمن والمخابرات واستخدام أساليب تم التعبير عنها بالجملة الشهيرة :"الداخل مفقود والخارج مولود"..
- خلق أجواء من عبادة الفرد ونشر صور الرئيس الكبيرة وتماثيله بكافة المقاييس حتى الخالية من أي ذوق فني وموصوفة بعبارات "منفوخة" ومبالغ بها بصورة صنعية مثل: "الرئيس القائد، الملهم " و"الى الأبد مع القائد الأسد" وغيرها الكثير ..وللمقارنة نادى هتلر بماعرف "رايخ الألف سنة" ودعا ماو الى أن تعيش أفكاره 10 آلاف سنة" ولكن لم يدع أحد إلى أن يعيش رئيس الى أبد الآبدين .
- تفتيت الأحزاب والمجموعات السياسية السورية عبر إقامة "الجبهة الوطنية التقدمية" الكاريكاتورية التابعة له بصورة عمياء واستخدامها لعبة في توطيد دعائم حكمه الديكتاتوري .
- عدم إعراض النظام الأسدي عن شن مذابح دموية تندى لها الجبين لدى مواجهة أي معارضة بأي شكل أو حجم وعلى رأسها مذبحة حماة الرهيبة والفريدة (ما لايقل عن 40 ألف قتيل ) ومذابح أصغر كمذبحة تدمر ومذبحة حلب ومذبحة جسر الشغور وغيرها الكثير..
- اللعب بالأوراق والمعضلات الإقليمية كتأليب اللبنانيين والفلسطينيين على بعضهم البعض ودفعهم الى الإقتتال الدامي بكافة السبل ناهيك عن اللعب بأوراق الصراع بين الأكراد وتركيا والعبث في العراق وأماكن أخرى ..
وهذا كله يعني أن حافظ الأسد حكم بصورة شمولية وبقوة السلاح والأمن واللعب الإقليمي الدموي أي بصورة غير شرعية تماما .
وعلى الرغم أنه أجرى عدة انتخابات محلية ولمجالس الشعب ورئاسية متعددة ، ولكن كانت تنظمها أجهزة الأمن وتحدد كل أسماءالمرشحين وعدد الأصوات التي يجب أن يحصل عليها كل نائب مع استثناء يأتي عبر الصدفة وتحدد المخابرات كافة أرقامها على الإطلاق ولم يوجد أي "تنافس" بين مرشحين وبالطبع كان المرشح الوحيد للرئاسة هو حافظ الأسد وحسب .لذا فلا شرعية مطلقا تشكلت خلال العقود الثلاثة التي حكم خلالها الأسد الأب .وكانت كل انتخابات التجديد لحافظ الأسد بمثابة مهرجانات خطابية تسمى مهرجانات "البيعة" ..لذا فلا أثر لأي شرعية برلمانية أو نيابية أو رئاسية من أي نوع ناهيك عن ماسمي بالشرعية الشعبية وهي تعبير هلامي يعود الى عدة عقود إبان الحرب الباردة حيث كان هناك الكثير من الجمهوريات التي تسمي نفسها الجمهوريات الشعبية دون أن يكون للشعب فيها أي دور في الحكم الديكتاتوري الشمولي الذي يحكمها ؟
وانتقل الأمر دون أي تغيير بالوراثة ولأول مرة في العالم العربي الى ابنه غير المجرب بشار الأسد الذي كان يدرس ويتطبب في لندن، عقب وفاة ابنه الأكبر باسل الذي قتل في حادثة سير رعناء. لابل بدأ عهد بشار بمهزلة تغيير الدستور خلال 10 دقائق لاستيعاب السن القانونية الجديدة للرئيس الشاب وغير المجرب وتحولت الى 34 سنة عوضا عن 40‘ بل وانفتح في عهده باب الفساد على مصراعيه حيث ظهرت أسماء حيتان البزنس كرامي مخلوف وغيره الكثير ..
وحاول بشار أيضا هو الآخر اختراع شرعية ما تبرر وصوله للحكم و وبدأ في الانقلاب على رفقاء والده المخلصين من رئيس الوزراء طويل الأمد محمود الزعبي ومسؤول الأمن في لبنان غازي كنعان وعبد الحليم خدام وحكمت الشهابي وغيرهم، الذين تمت تصفيتهم أو كانوا مشاريع «انتحار» جاهزة ‘ وذلك ضمن محاولة تأسيس «رجال» جدد يتبعون له مباشرة ، إلا أنه فشل فشلا ذريعا وهذا أمر طبيعي لأن الشرعية لايمكن اختراعها أو تركيبها كرتونيا بسهولة لأنها تنبع من الشعب قبل كل شيئ وتاتي عبر انتخابات نزيهة شفافة تحت اشراف اقليمي دولي محكم..وهذا ماأدركه رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري ودفع حياته ثمنا لذلك على ما يبدو . وتمثل سلوكه في القاء المحاضرات والتعابير المتطاولة الذي يعتبر نفسه أكثر تجربة ومعرفة من بعض الزعماء العرب الكبار والمعترف بهم دوليا والذين يحظون بشرعية معينة ناهيك عن تعابير مرفوضة جملة وتفصيلا كتعبير "أنصاف الرجال " الذي لايستحقه الا هو نفسه .
الا أن فشلا آخر لحق باكتساب أي شيئ من الشرعية مني به بشارالأسد ألا وهو الإرتماء في أحضان التبعية العمياء لملالي طهران وبالتالي رميه عرض الحائط تحالف إعلان دمشق مع مصر ودول الخليج لأمر الذي أفقده أيضا أي "شرعية" شعبية أو عربية .
ومنذ بداية الثورة السورية في أواسط آذار (مارس) ٢٠١١ امتلأت شوارع سورية بمئات الألوف من المتظاهرين السلميين المطالبين بدولة غير بوليسية تواجه الفساد المستشري في نظام بشار عوضاً عن تبنيه وتساوي بين السوريين عوضاً عن التمييز بينهم على أسس مناطقية وطائفية.
ومما جعل نظام بشار أكثر لاشرعية هو حقيقة مرور الشهور الأولى للانتفاضة السورية بينما تتراكم أعداد الضحايا في مختلف المدن السورية. وقد برر النظام السوري الأمر بما أسماه زمر مسلحة مندسة وإرهابية تقوم بأعمال الشغب. وفي سلوكها أثبت نظام الأسرة الأسدية أنه فقد التوازن كما فقد الحد الأدنى للشرعية بكل مسمياتها مما خلق حالة مواجهة بينه وبين الدول العربية توجت في مؤتمر القمة العربية في26.03.2013 عند تسليم مقعد سورية في الجامعة العربية للمعارضة السورية بتأييد كبير من دول الخليج .
وختاما.. لم يكن هناك أي مشروعية اكتسبها نظام اسرة الأسد منذ ولادته أي منذ أكثر من 44 عاما مضت؟ واعتمد هذا النظام فقط على القمع والدم والقتل والإعتقال والإعدام التعسفي والتعذيب بل والإجرام بكل أبعاده .. ولم يكن هناك حل لمواجهة هذه اللاشرعية الا بنشوب ثورة الشعب السوري العظيم منذ أكثر من سنتين والتي سيكتب لها النصر الحاسم بإذن الله قريبا على الرغم من التضحيات الكبيرة ، لأن عقارب الساعة لا يمكن ان تعود الى الوراء . أما الشرعية فهي للشعب السوري وحده ولإرادته في الحرية والكرامة وحق بناء المجتمع المدني وإقامة العدل والمساواة.
* بقلم د حسان بالي - عضو المجلس الوطني السوري