شهدت ساحة تقسيم التركية خلال اليومين الماضيين أول انتكاسة لها منذ سنوات طويلة، بعد أن هجرها السياح، أقفلت المتاجر، وخلت الفنادق، خوفاً من مصير مبهم على إثر الاحتجاجات الأخيرة على الحكومة.
وبقيت الساحة الشهيرة تحت سيطرة المحتجين على الحكومة التركية، بعد أن انسحبت منها عصر السبت الماضي وحدات مكافحة الشغب التي خاضت معارك عنيفة خلال يومين من المواجهات، وتم الانسحاب بناءً على أوامر والي مدينة إسطنبول، في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي الذي نجم عن "العنف المفرط" للشرطة في هذا المكان، وفقاً لصحيفة "الشرق الأوسط".
وساهمت الأمطار التي انهمرت صباح أمس في إبعاد المحتجين عن ساحة "تقسيم"، حيث بدأت الاحتجاجات لكنها لم تطفئ حماسة مجموعة صغيرة من المحتجين ظلوا متجمعين حول نار أشعلوها. وتناثر الركام في الميدان بعد أيام من المواجهات بين المحتجين وشرطة مكافحة الشغب التركية التي أطلقت الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه، ودارت بينهم مطاردات في الشوارع الجانبية. ومسح الباعة رسوم الغرافيتي المعارضة للحكومة من على الجدران.
وكانت الشعارات المعارضة قد كتبت على سيارات محترقة، من بينها سيارة للشرطة وحافلة. ومع الهدوء النسبي الذي عرفته الساحة، وعادت بعض الحركة الخجولة للسياح إلى شارع استقلال الذي يمتد بدءاً من الساحة إلى مشارف القمة التي تطل على البحر، ويتربع عليها برج "غلاطة سراي" المشهور.
ويمتد هذا الشارع على طول 3 كيلومترات تقريباً، وتقول وزارة السياحة التركية إن نحو 3 ملايين سائح يمشون فيه يومياً. فهذه الساحة وهذا الشارع من الوجهات المفضلة للسياح حول العالم، ما جعله مقصداً لسكان مدينة إسطنبول والمدن التركية الأخرى، يتمشون فيه بدورهم للتفرج على السياح.
وقد نمت بسبب هذا مجموعة من المتاجر والمقاهي والفنادق التي تمتد على طول هذا الشارع والشوارع المتفرعة منه، والتي بات كل شارع منها يتخصص بشيء ما. فهذا الشارع معروف بمقاهي النرجيلة، وهذا معروف بمطاعم السمك، وثالث معروف بالملاهي الليلية، ورابع بمتاجر الألبسة، وهكذا دواليك.
ويعتبر هذا الشارع، منذ زمن طويل، مكاناً للتعبير عن الاحتجاج، أو الحزن، أو الفرح. فيندفع إليه مشجعو كرة القدم عقب كل انتصار، ويحلو لبعض العرسان أن يقضوا بعضاً من أمسية الزفاف فيه.
ولا يكاد يمر يوم فيه من دون تظاهرة من هنا أو هناك. ورغم أن مشهد شرطة الشغب في الشارع بات مألوفاً، فإن ما حصل مساء الجمعة ونهار السبت فاق كل التصورات، وانتهى الأمر بهذا الشارع الذي لا يهدأ ليلاً أو نهاراً إلى أن يصبح في إحدى اللحظات شبه مهجور إلا من رجال الشرطة وبعض المحتجين الذي كانوا يشتبكون معهم.
وبعد عودة الهدوء إلى الشارع ليلاً تجمّع بعض السياح الفضوليين بالقرب من المحتجين، وشاركهم بعضهم الرقص، لكن الحياة في الشارع لم تكن أبداً كالمعهود فيه، غير أن المتظاهرين أصرُّوا على إحياء الليلة بالغناء والرقص، رغم أن بعض زملائهم إما أصيبوا في المواجهات، كحال براق أزباي الذي قال إن صديقته في المستشفى تخضع لعملية ثانية في الرأس بعد أن أصابتها إحدى قنابل الغاز في رأسها، مشيراً إلى أنه يقف بين المحتجين احتراماً لها ولرغبتها في أن ترى بلادها "كما عهدناها منذ زمن طويل؛ بلداً لحرية الرأي والمعتقد".