شكلت ندوة الواقع السياسي والثقافي الراهن، التي انطلقت بمدينة أصيلة المغربية، يوم الجمعة وانتهت أمس السبت "مناسبة لتشخيص موضوع "فصول الربيع العربي" من منظورنا ورؤية الآخر، وحاول خلالها المتدخلون حسب خبراتهم إمساك الظاهرة، واستخلاص النتائج وتوقع المسارات.
يأتي ذلك ضمن فعاليات مهرجان جامعة المعتمد ابن عباد الصيفي في دورته الثامنة والعشرين، بمدينة أصيلة المغربية.
وسجلت الجلسة الافتتاحية والندوة الأولى تفاوتا في المقاربات بدءا من الاختلاف حول التسمية، وصولا إلى توصيف الحالة السياسية في العديد من البلدان العربية والآفاق المستقبلية، التي بدت للبعض متفائلة فيما اعتبرها آخرون شبه مظلمة وصعبة التجاوز على المدى القريب.
وقال مروان المعشر، وزير الخارجية الأردني السابق، الذي ترأس الجلسة الافتتاحية إن الحراك العربي كشف أن الاستقرار كان مفروضا بالقوة، ليخلص إلى أنه "ما كان الأخ لينهش أخاه لو ترعرع على النظر إليه كأخ في المواطنة"، ذلك العنصر الغائب في مسلسل بناء الدولة الوطنية.
وأضاف المتحدث أن الربيع العربي يعد بداية جديدة تؤسس للمستقبل لكنه أكد أن المسلسل لن يكون سهلا أو خاليا من الأخطاء ليخلص إلى أن "النجاح ممكن إن وعى الفرقاء ضرورة تجاوز ذهنية الإقصاء وتكريس التعددية".
عمرو موسى الذي قدم اعتذاره عن الحضور بسبب الأحداث الجارية بمصر، قال في تسجيل صوتي، إنه لا يوافق على مصطلح الربيع العربي، واصفاً إياه بحراك تغيير ثوري شبابي يحمل مطالب اجتماعية معيشية وأخرى سياسية.
وطالب من جماعة الإخوان المسلمين الذين أوصلتهم ثورة 25 يناير إلى الحكم، أن يدبروا السياسة بمنطق عصر القرن الواحد والعشرين، معتبرا أن اكتمال حركة التغيير في العالم العربي لن تتم إلا بإطلاق نظام عربي جديد، وهو ما يتطلب تبعا له من النخب العربية الانكباب على تناول هذه الحركة بالدراسة والنقاش والتحليل.
من جهته، واعتبر محمود جبريل، الرئيس السابق للمكتب التنفيذي للمجلس الانتقالي الليبي، أن هذه المرحلة تبدو فاصلة بالنسبة لتطور المجتمعات العربية، فإما نمر حسبه (إلى الثورة المعرفية) أو نرتد إلى الوراء".
ورفض جبريل وصف الربيع العربي بأنه "مؤامرة خارجية"، مستدلا بخبرته كشاهد عيان على مجريات الثورة الليبية، وإن أقر أن القوى العظمى تحاول كل منها استغلال حالات الفراغ الأمني والمؤسساتي لصالحها.
ولاحظ جبريل أن معركة الشرعية بين الفرقاء السياسيين في ميادين الحراك ستستمر بالنظر إلى أن المرحلة نتيجة فعل شعبي تلقائي، وستحسم بأحد أمرين: توافق وطني أو استمرار التناحر إلى حين فرض سيطرة فصيل معين.
وأكد على أن مشاهد فصول الربيع العربي لم تكتمل بعد حتى يمكن تقييمها، داعيا إلى استحضار هذه التحولات في سياق الزمان والمكان، واستثمار الموقع الذي يحتله الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كمعبر للحضارات، لأن ما يحدث بالمنطقة ليس مهما لها فحسب، بل للعالم قاطبة.
واتجهت الغانية سامية بابا نيكروما، الزعيمة القومية الإفريقية، في نفس المنحى، بقولها إن إفريقيا تنظر باهتمام إلى ما يقع في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، معبرة عن أملها في هذا السياق أن يعود المغرب إلى دوره الدبلوماسي في تحقيق الوحدة الإفريقية ودعم التنمية الإفريقية، وإشعاع التضامن بين الأفارقة والعرب.
وألحت على تلبية مطالب الشعوب الاجتماعية التي يعبر عنها الشارع في ظل الاستقرار وليس مواجهتها بالعنف، لأن هذا الأخير يخلق حسبها أزمات لها انعكاسات دولية، مؤكدة أن التعاون العربي الإفريقي سيساهم في تخفيض معدلات الفقر والبطالة وتحقيق مستقبل تنموي لكلا الطرفين، وبأن يشمل هذا التعاون مجال تبادل الأبحاث العلمية والطلبة والشراكة بين الجامعات.
من جهته اعتبر حسن أبو أيوب، سفير المغرب في إيطاليا، أن الربيع العربي جاء ضمن سياق دولي مطبوع بأزمة الديمقراطية التمثيلية وتنامي عجز الحكومات عن الإجابة عن التحديات المختلفة التي تواجه المجموعة الوطنية.
وأكد أبو أيوب أن مفهوم الأمة يواجه أزمة حقيقية وطبيعة المشاكل ذات الطبيعة العابرة للحدود تجعل الحكومات في وضع متجاوز، لاسيما في غياب أجوبة جماعية تضامنية.
تجدر الإشارة إلى أن جلسات الندوة توزعت على أربعة محاور شملت "الحراك وإشكالية الديمقراطية"، و"تعاطي القيادات مع الحراك العربي"، و"الحراك العربي والتجاذبات الدولية" و"الحراك العربي: المآل والبدائل".