مصر.. بين "حكم الإخوان" وتطلعات "تمرد "

صباح ناهي
صباح ناهي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

شهران على إعلان حركة شبابية انبثقت من قلب ميدان التحرير أطلقت على نفسها "تمرد"، كرست فكرة قيامها بجمع تواقيع المعارضين لحكم الإخوان عبر وسائط التواصل الاجتماعي, وحال إعلان هذه المجموعة الشابة التي أغلبها من طلبة الجامعات وصغار موظفي الدولة والعاطلين عن العمل, لفكرة جمع تواقيع تدعو إلى إقصاء الرئيس الإخواني الدكتورمحمد مرسي، حين تمكنت من جمع 200 ألف توقيع في الأسبوع الأول لدعوتها تلك، "ما أثار حفيظة الإخوان في السلطة وخارجها لمجابهة تلك الحركة الفتية التي تسعى إلى رجوع ثوار التحرير لما سموه استرجاع ثورة 25 يونيو من "مخالب الإخوان" الذين تنكروا لمكتسبات الانقلاب الخطير على سلطة مبارك وحزبه الوطني - على وفق رؤية هذه الجماعة .

وعلى الرغم من محاولة "الإخوان" تطويق هذه الحركة الناشطة تمكن شباب "تمرد" من حصد أكثر من مليونين و29 ألفاً و592 استمارة توقيع لسحب الثقة من مرسي في مؤتمر صحافي عقدوه يوم الأحد 12 مايو 2013 أي بعد حوالي أسبوعين من انطلاق الحملة, ما شجعهم على المواصلة, في تأليب الشارع المصري وحثه على المطالبة باستبعاد "سلطة الإخوان" المتمثلة برئاسة الدكتور مرسي لرئاسة مصر بدعوى: "تنكره لشرعية الثورة واستعارة أساليب النظام السابق "نظام الرئيس مبارك"، بل راحوا يشبهون "حكم الإخوان" بحكم الحزب الوطني المنحل ".

حصول "تمرد" على تأييد لما يزيد على مليوني توقيع في أسبوعين أحدثت صخبا إعلاميا واسعا في الأوساط المصرية التي عانت من خناق غير مبرر عليها أثناء حكم الإخوان, وأضحوا يتحسسون غلاظة يد الإخوان على الحياة العامة المصرية واستعجالهم بإعلان رغبتهم تحويل المجتمع المصري ذي الأغلبية العلمانية إلى "الأسلمة" التي يجدها الأغلب أنها لا تتناسب مع أهداف ثورة 25 يناير التي أطاحت بنظام مبارك واتهامه بمصادرته الحريات العامة التي وصلت ذروتها بالتوريث، الذي كاد يتحقق قبيل إسقاط النظام وممانعة المجتمع له والحيلولة دون تحقيقه.

الإخوان الذين صبروا ثمانين عاماً وزج بهم في السجون عقودا من الزمن وجدوا أن من المهم لهم "أن يطرقوا الحديد وهو ساخن"! لكنهم قفزوا على طبيعة العقد الذي أبرموه في ميدان التحرير مع ثوار25 يناير ولن يتخطوه بإشراك نظرائهم الذين أسقطوا مبارك وجلّهم من منتسبي "تمرد" أو الموالين لهم الناقمين والمتذمرين على دورة المصادرة والإبعاد، ولا "أقول الاجتثاث" الذي يبدو أنه في طريق التحقق من وجهة نظر هؤلاء وأولئك, بعد حين مما عجل بنهاية حكمهم أو الثورة عليهم كنظام حكم, وعدم اعتبارهم شركاء في الثورة التي كانوا في رحاها كتفاً بكتف مع "شباب تمرد" وثوارها الذين قدموا مئات الشهداء الذين سقطوا فوق إسفلت التحرير وفي شوارع الإسكندرية وسواها دون أن تجف دماؤهم بعد، وينالوا تكريم شرف الشهادة على طريق الحرية والعدالة المفقودة وينال ذووهم أوسمة المجد الوطني ويعاقب الجناة والقتلة.

الإخوان المنظمون والمتمرسون في نضال الزنزانات والصابرين ثمانين عاما والمقصون دوما عن السلطة والمشاركة السياسية لم يصبروا خمس سنوات لاحقة لتسلمهم مقاليد السلطة, ويعقدوا هدنة ويطوّروا من أهدافهم بسلسلة إجراءات مطمئنة للمجتمع حين وقعوا بسلسلة من التخبطات السياسية والخيارات والتحديات التي كانت تواجههم دون أن يطوّروا ألياتهم في الحكم وفي الانتقال إلى "الجهاد الأكبر" في التنمية والبناء وإعمار ما خلفته السنوات العجاف بهم كفصيل سياسي مغضوب عليه من كل السلطات السابقة, إلى حين وقعوا بتوارث النقمة عليهم من الجيل الجديد الذي بادر بسحق ماكينة النظام السابق وله الحق في الشراكة معهم في الحكم, ومنحهم الأدوار التي يستحقها كشريك وفصيل ثائر في اندلاع الثورة عموماً .

إن استعجال الإخوان في اتخاذ قرارات بدت مستفزة للشارع المصري - وهم في الحكم - كانت أخطر بكثير من قراراتهم وهم في المعارضة، ممنوعين من الحياة السياسية وفرصة تداول الحكم, كان عليهم أن يسلكوا خيارا آخر غير الذي انتهجوه أثناء عامهم الأول في السلطة, وهو مهادنة الشارع الحليف الذي خرج وإياهم لإسقاط حكم مبارك بإشراكه في الحكم وفي القرار وعلى الأقل"، ويقولون لهم "منا الأمراء ومنكم الوزراء", وهم قراء تاريخ محترفون.

وكان عليهم أن يفصلوا بين سلوكهم في الحياة الحزبية للجماعة وتنظيمها, وكادر حكم, بأن يقدموا أفضل ما لديهم من خبرات للدولة ولرجالها, وأن يكرسوا أنفسهم للدفع بقوة لفصل السلطات, ولا يمعنوا أكثر في التدخل في القضاء والإعلام ولا "يتحرشوا" بالقيادات الاحترافية في المؤسسة العسكرية العريقة التي ساعدتهم على الوصول إلى السلطة، وأن يتركوا المجتمع المدني يعيش دورة حياته الاعتيادية بمهاجمة المثقفين والإعلاميين والفنانين والرياضيين وسواهم, مع تقديري أن ثمة من غالى من هؤلاء في مواجهة حكم الإخوان, لكنهم ما كان أن ينجروا لمعارك تلهيهم عن هدف استحقاقهم للشراكة في الحكم وتداول السلطة, هذا وغيره الكثير كان بمقدورهم أن يتعلموه وهم في السلطة حيث لا تصلح قياسات المعارضة والتعارض مع الحكم ومنطق الحكم, لأن محترفي السلطة يستحيلون إلى موظفي دولة
والرئيس هو الموظف الأول ورئيس الوزراء أكبر خادم للشعب والوزراء ولاة أمر الناس.

أبداً ومنذ الأزل, "الحكم صنعة محترفين لا صنعة هواة", والدول تحكم بالعدل وتكافؤ الفرص وإدارة الناس "فن الممكن", والإقصاء أيا كان مصدره يقود إلى معارضات وتحديات ليس بمقدور الجميع تحمله لاسيما حين لا ينظمون أمورهم مع "المتغير الدولي" والآخر الإقليمي لكن الأهم رضى الناس واقتناعهم وإشراكهم في التحديات واستلهام آمالهم نحو مشروع المواطنة الحقة .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط