يعاني الاقتصاد المصري في الأعوام الثلاثة الأخيرة من أزمات متلاحقة بدأت مع انهيار الاحتياطي النقدي وتدني الاستثمارات الأجنبية مرورا بتفاقم عجز الموازنة وانخفاض قيمة الجنيه، وما صاحبه من قفزات في معدل التضخم، وهي أمور أشعلت شرارة تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في مصر، لتأتي أزمة الطاقة كأحد أبرز الأسباب لاندلاع ثورة ثانية بعد عام من حكم الرئيس محمد مرسي الذي شهد تراكما واشتباكات بين المواطنين وسط طوابير متكدسة أمام محطات التزود بالوقود إلى جانب توقف مصانع عن العمل خاصة في قطاع الإسمنت.
وتبدو أسباب المشكلة واضحة، حيث تتركز في تهريب البنزين والسولار لانخفاض أسعاره المدعومة في السوق المصرية، بجانب ضعف كفاءة إنتاج الحقول وسوء حالة مصافي التكرير، أيضا ما فاقم من الأزمة عجز هيئة البترول عن سداد مستحقات الشركات الأجنبية التي تبيع المشتقات البترولية لمصر فتراكم العجز إلى 7 مليارات دولار، وهو ما دفع بهذه الشركات إلى عدم ضخ استثمارات جديد في مصر.
ونتيجة لتعقد مشكلة الطاقة فقد صاحب نقص المشتقات توقف وضعف إنتاج محطات الكهرباء وسط زيادة الاستهلاك خاصة في فصل الصيف.
من جانبه، أكد أسامة كمال وزير البترول والثروة المعدنية الأسبق وجود محدودية في إنتاج النفط في مصر مع عدم الاستفادة من القدرة المتاحة للمصافي البالغة 36 مليون طن في حين أن المستغل فقط هو 26 مليون طن، وهو ما دفع الحكومة للاستفادة من تلك القدرة التكريرية وتشغيلها اقتصاديا عبر استيراد كميات نفط خام من ليبيا والعراق لتكريرها محليا.
كما أوضح كمال أن أزمة الطاقة مزمنة من فترة طويلة، وأن الحلول تكمن في تنوع مصادر توليد الطاقة بعيدا عن المنتجات البترولية مثل السولار والمازوت التي من الأفضل الاستفادة منها في قطاع الصناعات التحويلية مثل البتروكيماوية لتعطي قيمة مضافة لهذه الصناعة.
وبالعودة قليلا إلى الوراء للبحث في جذور المشكلة سنجد أن المصادر الرئيسة لتلبية حاجات مصر من الطاقة تتنوع بين الغاز بنسبة 55% ومن بعده البترول بـ41% ثم الفحم بنسبة 1% وكذلك الطاقة المائية 2%، بجانب مصادر أخرى.
يشار إلى اعتماد مصر الأكبر على الطاقة يأتي من الغاز، الذي تنتجه وتصدره، فأين يكمن النقص؟
بحسب الأرقام فإن إنتاج الغاز في مصر يبلغ يوميا 5.5 مليار قدم مكعبة، تتوزع بواقع 4.3 مليار قدم مكعبة لتوليد الكهرباء محليا، في حين يحصل الشريك الأجنبي الذي يقوم بعمليات الاستكشاف والاستخراج على 650 مليون قدم مكعبة. وتصدر مصر للأردن 250 مليون قدم مكعبة يوميا.
كما تستفيد المصانع المصرية بمقدار 1.65 مليار قدم مكعبة وهو الأمر الذي يفجر عجزا مقداره 1.35 مليار قدم مكعبة من الغاز.
صورة العجز نفسها نجدُها في قطاع البترول حيث يبلغ الانتاج اليومي 728 ألف برميل في مقابل استهلاك 815 ألف برميل وهو ما يرفع العجز إلى 87 ألف برميل.
وقد انعكس عجز الغاز والنفط على الكهرباء التي تتفاقم أزمتُها صيفا، فالإنتاج المخطط له 28.8 ألف ميغاواط في حين يقفز الاستهلاك إلى 33 ألف ميغاواط، لكن العجز يتضاعف من 4 إلى 8 آلاف ميغاواط وذلك بسبب الاستهلاك العالي خلال الصيف بجانب أعطال المحطات وضعف كفاءتها.
وحول طرح خطة عاجلة لدعم قطاع الطاقة في مصر، أشار وزير البترول والثروة المعدنية الأسبق إلى ضرورة وضع خطة تشمل تنوع مصادر توليد الطاقة عبر دخول الطاقة الشمسية بشكل عاجل مع التوجه للمشاريع المعتمدة على استخدم الطاقة الشمسية، حيث إن لدى مصر أكبر مناطق سطوع شمسي في العالم.
وكشف كمال عن حاجة قطاع الطاقة البديلة لضخ استثمارات بقيمة 20 مليار دولار خلال 3 سنوات في الطاقة الشمسية لإنتاج ما بين 3 إلى 5 آلاف ميغاوات، ومن بعدها تحويل المحطات ذات الكفاءة المنخفضة إلى محطات مركبة باستخدام نفس كمية الوقود لتوليد طاقة مضاعفة.
وحول مصافي التكرير، أشار كمال إلى وضع خطة سابقة لرفع كفاءة 9 معامل موجودة حاليا مع بناء 6 أخرى جديدة خلال 3 إلى 5 سنوات بتكلفة 18 مليار دولار لدعم قطاع التكرير في مصر.
العرض السابق لإمكانيات مصر من قطاع الطاقة يؤكد أن أزمة نقص الطاقة متشعبة وتنبع في الأساس من نقص في الموارد وقلة الإنتاج مع مساوئ الاستهلاك، لكن السؤال الأهم هو كيف تعوض الحكومة هذا النقص في الغاز ومشتقات البترول تحديدا؟.
الحكومات المصرية المتعاقبة دأبت على شراء هذه المواد ودعمها ما جعل قيمة هذا الدعم يمثل 71% من إجمالي الدعم الحكومي على السلع كافة وهو ما يعادل 6% من الناتج المحلي الإجمالي أي حوالي 17 مليار دولار في موازنة 2012- 2013 .
أبواب أخرى طرقتها مصر لتلبية نقص المشتقات بالحصول على المساعدات العربية ومن أبرزها مؤخرا 2 مليار دولار منحة من السعودية ومليار آخر منحة من الكويت إلى جانب تعهد قطر ببيع مصر 13 شحنة بسعر 13 دولارا للمليون وحدة حرارية إضافة إلى 5 شحنات منحة تعادل حوالي 16.5 مليار قدم مكعبة.
كذلك حصلت مصر على تعهدات من العراق بـ4 ملايين برميل نفط شهريا، لكن التوريد لم يبدأ لعدم الاتفاق على السداد.
ومثل صفقات قطر والعراق جاء تعهد ليبيا ببيع مصر نفط بقيمة 1.2 مليار دولار مع تسهيلات في السداد، لكن تنفيذ نقل النفط لم يبدأ.
كما دخلت الإمارات في اتفاقية مع مصر لإقامة مشروعات مشتركة في مجالات الطاقة المتجددة، وذلك بالبدء في أولى خطوات دراسات الجدوى الفنية لموقع أول مشروع مصري ـ إماراتي لإنتاج الطاقة المتجددة من مزارع الرياح بخليج السويس في ساحل البحر الأحمر بتكلفة 4 مليارات جنيه حوالي 570 مليون دولار مناصفة بين هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة وشركة مصدر.