ما زال لقاء الكاتب محمد حسنين هيكل بقياديين من حزب "الحرية والعدالة"، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، يثير الكثير من الألغاز السياسية.
بداية لم ينف الكاتب محمد حسنين هيكل اللقاء، بل إن الكاتب الصحافي مجدي الجلاد، رئيس تحرير صحيفة "الوطن"، أكد حدوث هذا اللقاء في أكثر من وسيلة إعلام مصرية.
وأضاف الجلاد: "إن اللقاء استمر بين هيكل والقياديين عمرو دراج ومحمد علي بشر لمدة ساعة ونصف"، مؤكداً أن هيكل استمع من القياديين أكثر مما تكلم، وكان حريصاً على إيضاح القضية بالنسبة لهما فيما يتعلق بالخروج من الأزمة، وحرص بقدر الإمكان على توصيل رسالة محددة لهما، أبرز ما فيها أنه يجب على الإخوان أن يعترفوا بالواقع الجديد، وأن الكلام عن عودة الرئيس المعزول للحكم كلام تجاوزه الواقع.
وأكد الجلاد أن هيكل أخبر القياديين بأنه لا يلعب دور الوساطة بين طرفين، وأنه مجرد متابع ومهتم بالشأن المصري، ونصحهما بأن تغلب الجماعة مصلحة مصر على مصلحة الجماعة، وأن تكف عن الدعوات للتظاهر.
أسرار لقاء هيكل والإخوان الذي استمر ساعة ونصفاً، بحسب مجدي الجلاد، لا يمكن اختزالها في مداخلات تلفزيونية أقصى مدة لها 5 دقائق، بما يؤكد أن هناك حديثاً مطولاً جرى، ولكن الخلاصة من تصريحات الكاتب مجدي الجلاد تؤكد أن "هيكل طلب من القياديين الإخوانيين مطالب محددة، وهي الاعتراف بالأمر الواقع، وتغليب مصلحة مصر، والكف عن التظاهرات"، وهو ما يترتب عليه مطالب أخرى في المقابل طرحها القياديان، بما يشير إلى أن اللقاء كان تفاوضياً وليس مجرد لقاء لعرض وجهات نظر.
وإذا كانت تلك شهادة الكاتب مجدي الجلاد على هذا اللقاء، لكن في وجهة النظر الأخرى ماذا طرح هيكل على الإخوان لكي يقبلوا بالأمر الواقع؟
تسريبات جماعة الإخوان عن هذا اللقاء – قد تكون صحيحة أو غير صحيحة – ترد على هذا التساؤل وعلى الأستاذ هيكل أن ينفي أو يؤكد هذه التسريبات.
تقول التسريبات الإخوانية إن اللقاء ناقش عرضاً قدمه هيكل للجماعة يقضي بوقف الاعتقالات المستمرة منذ 3 يوليو الماضي وحتى الآن، والإفراج عن قيادات الجماعة، وإيقاف القرارات المتعلقة بتجميد أموالهم.
ووفق عرض هيكل، لن تصدر قرارات بحل الجماعة، وستسمح لها بالاستمرار في العمل من خلال الجمعية الخيرية للإخوان المسلمين، التي أسستها الجماعة أثناء حكم الرئيس المعزول الدكتور محمد مرسي.
ويؤكد مصداقية هذا العرض أن قرار حل جمعية الإخوان المسلمين لم يصدر حتى الآن رغم ما أثير مؤخراً عن إدانة الجمعية بخرق اللوائح والقواعد القانونية لعمل الجمعيات الأهلية.
ووفق التسريبات الإخوانية، اعتبر هيكل ما قدمه للقياديين عرضاً سخياً، حيث ستنخرط الجماعة في الحياة السياسية وفق خارطة الطريق التي أعلنها الفريق أول عبدالفتاح السيسي في 3 يوليو الماضي، ووقف التظاهرات والمسيرات اليومية، والاستعداد لخوض غمار الانتخابات البرلمانية القادمة. وتضمن عرض هيكل أيضاً اختيار عدد من قيادات الإخوان لتولي بعض الحقائب الوزارية، موضحاً أنها لن تتجاوز ثلاثة وزارء على الأكثر.
وبطبيعة الحال رفض القياديان الإخوانيان هذا العرض رفضاً قاطعاً، وأكدا لهيكل أنه لا بديل عن الشرعية واستمرار التظاهرات، وهو الكلام الذي جعل الكاتب الصحافي يخرج غاضباً من الاجتماع بحسب التسريبات الإخوانية.
وتعتبر دلالات هذا اللقاء بين هيكل والإخوان السياسية خطيرة وهامة، تتمثل في أنه رغم نفي هيكل عن نفسه دور الوساطة بين الإخوان والسلطة في مصر (الرئاسة أو الجيش)، فإن مجرد جلوسه معهم يعني أن الدولة المصرية طرف فيه، بحسب ما قاله الدكتور عزازي علي عزازي في تصريح سابق للعربية نت.
دلالة سياسية أخرى يمكن استنتاجها من هذا اللقاء، أنه لا يمكن لأحد أن ينفي العلاقة التاريخية بين هيكل والمؤسسة العسكرية في مصر منذ ثورة 23 يوليو 1952، خاصة في مرحلة ما بعد سقوط الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك عقب ثورة 25 يناير، وما يتردد كثيراً في كواليس السياسة المصرية أن هيكل لعب دوراً هاماً في تظاهرات 30 يونيو الماضي - يمكن أن نصنفه بدور"الحكيم" الذي يرجع إليه القادة في الأمور الحاسمة - وبالتالي ليس هناك ما يمنع أن يجلس "الأستاذ" أو "الحكيم" مع الطرف الأضعف في المنازلة السياسية ويحاول إقناعه، إما للتخفيف عنهم من وطأة ما حدث لهم، أو ليطرح عليهم حلاً ما يضمن للجميع العيش المشترك في المرحلة القادمة، خاصة إذا عرفنا أن لدى الإخوان، خصوصاً القيادات المستنيرة منهم، رصيداً يكفي للاستماع إليه.
أما الدلالة الأهم في مثل هذا اللقاء، فإننا إذا سلمنا بالدور الذي لعبه هيكل في الآونة الأخيرة فإن جلوسه مع القياديين الإخوانيين يؤكد أن "النظام الحالي لا يريد أن يبتر الإخوان من الساحة السياسية بتراً نهائياً - وذلك كغيره من الأنظمة السابقة – قبل ثورة يناير، ولكن هذه المرة ليس لقوة تواجدهم في الشارع السياسي المصري ولكن لاعتبارات دولية وغربية، وعلى رأسها واشنطن التي ما زالت تعتبر الإخوان جماعة سياسية إسلامية معتدلة تعتقد أن لها تواجداً في القرى والنجوع المصرية، كما أن هذه الدول الغربية ما زالت لم تكون لنفسها رؤية واضحة حول ما جرى منذ 30 يونيو الماضي.