تخوض الحكومة الجزائرية الأسابيع الأخيرة حرباً ضد "الحلابة "، وهم مهربو الوقود والبنزين من الجزائر إلى كل من تونس والمغرب ودول الساحل كمالي والنيجر.
ومنذ أسابيع تقوم وحدات الجيش وحرس الحدود والجمارك بحجز آلاف اللترات من الوقود في المناطق الحدودية، والقيام بعمليات استباقية عبر مهاجمة المخازن التي يخبأ فيها المهربون الوقود قبل تهريبه، وتوقيف المهربين الذين يتم رصد محاولاتهم لتهريب الوقود.
وحجزت مصالح الدرك في منطقة تبسة 6650 لترا من هذا الوقود كانت مهربة إلى تونس، وحجزت وحدة من الجيش نحو 2750 لترا من الوقود ببشار جنوبي الجزائر، وقبل أسبوع تمكنت فرقة متنقلة للجمارك بمنطقة مغنية بولاية تلمسان من إحباط محاولة تهريب أكثر من 5660 لترا من الوقود إلى المغرب وحجز ثلاث سيارات خفيفة وشاحنتين إحداهما مزودة بخزان كبير.
وتنفذ الحكومة من 18 يوليو الماضي تدابير وقائية وأمنية مشددة على الحدود، لتشديد الخناق على شبكات تهريب الوقود على الحدود ومنع التهريب، إضافة إلى الحد من تهريب المخدرات ورصد التحركات المشبوهة للمجموعات المسلحة، خاصة على الحدود مع تونس.
وتسهر مصالح الأمن وقوات حرس الحدود على تنفيذ هذه التدابير، وأعطت السلطات أمرا لقوات حرس الحدود والجيش بإطلاق النار على كل مهرب لا يستجيب لأوامر التوقف، إضافة إلى حجز كل وسائل تهريب الوقود وأملاك المهربين، وضبط إجراءات توزيع الوقود على مستوى محطات بيع الوقود، حيث تم تحديد سقف التزود بالبنزين في المحطات لمنع التزود العشوائي الذي يستغل للتهريب.
ولاحظ المواطنون الذين يقيمون في ولايات حدودية أن الطوابير التي كانت تميز محطات الوقود اختفت، وبات من السهل التزود بالوقود في المحطات دون عناء الطوابير، وهذا منذ بدء تطبيق التدابير الحكومية.
وتخسر الجزائر ربع إنتاجها السنوي من الوقود، بسبب شبكات التهريب التي تنشط على حدوها الغربية مع المغرب والشرقية مع تونس، بحسب ما أعلنه وزير الداخلية الجزائري السابق دحو ولد قابلية في يوليو الماضي.
وتقوم شبكات منظمة بتهريب آلاف اللترات من البنزين والوقود يوميا إلى تونس والمغرب عبر سيارات يتم توسيع خزاناتها، أو إضافة خزان ثان لها، وكذا عبر منافذ حدودية سرية باستغلال الدواب التي يتم تحميلها ببراميل الوقود والعبور بها إلى داخل المغرب وتونس لتفريغ حمولة الوقود.
ويلجأ "الحلابة" إلى تدريب الدواب على السير في طرق ومنافذ معينة على الحدود، وتوضع أحيانا في أذنيها أجهزة تحثها على السير، لضمان عدم توقفها وسيرها حتى داخل الأراضي المغربية أو التونسية. حيث يكون في انتظارها الشريك على الطرف الآخر.
وكشفت عمليات مداهمة لمنازل مهربين مؤخرا في منطقة تلمسان غربي الجزائر على الحدود مع المغرب أن بعض المهربين لجأوا الى بناء خزانات داخل مساكنهم المتاخمة للحدود يتم تموينها عن طريق خزانات السيارات والشاحنات التي تصل طاقة حملها للوقود إلى 1200 لتر.
وتعترف الحكومة الجزائرية أن مشكلة تهريب الوقود من الجزائر إلى دول الجزائر باتت تشكل عقدة أمنية واقتصادية للجزائر، وأفاد بيان مجلس الوزراء الأخير أن "مشكلة تهريب الوقود إلى الخارج سيكون لها بالغ الأثر على الاقتصاد الجزائري في حال لم يتم الحد منها".
وتمثل ولاية تلمسان التي تقع على الحدود مع المغرب وولاية تبسة والطارف والوادي على الحدود مع تونس، وتمنراست وإليزي على الحدود مع مالي والنيجر، أكثر الولايات التي يتم عبرها استنزاف الوقود الجزائري وتهريبه إلى الخارج.
وتأخرت التفاتة السلطات الجزائرية إلى معضلة تهريب الوقود وتبعاته على استنزاف الاقتصاد الجزائري كثيرا، بعد عقود من ممارسة "الحلابة" والمهربين.
يعتقد الخبير في الشؤون الاستراتيجية البروفيسور قوي بوحنية أن تهريب الوقود جريمة اقتصادية منظمة لها عصاباتها وسماسرتها، وتتكبد الجزائر بسببها سنويا ما مقداره 1.3 مليار دولار أمريكي، وهو ما يعد بكل المعايير ميزانية كفيلة بتسديد عجز موازنة ولايات في الجزائر.
ولاحظ بوحنية أن "إجراءات الحكومة مهمة وردعية، ولكنها ليست كافية لسبب تأصل هذه الجريمة وتناميها وتلونها بألوان ومعايير ومسميات وأساليب مستحدثة وذكية، وهو ما يتطلب قوانين متطورة تجرم هذا الفعل، وزيادة مستوى التعاون بين هيئات أمنية كالجمارك والجيش".
ولفت البروفيسور بوحنيبة إلى أن "إغلاق الحدود مع المغرب مكن المهربين من تطوير أدوات جديدة لمواصلة التهريب، كما أن الحدود الشرقية مع تونس وما تعرفه هذه الجارة من إشكالات أمنية وتفلت أسهم في إنعاش هذه الجريمة، ورأى أن ما تتعرض له الجزائر من نهب اقتصادي في هذا المجال يتجاوز بكثير حجم الأرقام المعلن عنها، وهذا يعني أن التعاون الجواري مع الدول الشقيقة وفق مقاربة أمنية شاملة أضحى ضرورة ماسة واستراتيجية".