لم يخشَ "خالد الشامي" من أن ألتقط له هذه الصورة، لم يمانع في أن يظهر وجهه أو يُذكر اسمه، تمتم فقط: "أخاف على أمي التي تركتها في دمشق قبل شهور قصيرة، لكنني لا أخافه (يقصد الأسد)، ولا أخجل مما أفعل".
في شارع يُعتبر من أكثر الطرقات اكتظاظاً بالمشاة حول العالم، شارع الاستقلال في إسطنبول، يضع خالد أمامه حقيبة "الجيتار"، دون أن يُظهر اهتماماً كبيراً بعدد "الليرات" التي ينثرها المارة فيها، ليس لك كلّما مررت قادماً من "ساحة تقسيم" - المعلم الأشهر في إسطنبول - إلا أن تميّز صوته ويستوقفك بينما يدندن ويغني لسوريا ودمشق والحرية، يصدع صوته بوضوح ويغطي على غيره من الفرق الموسيقية التركية التي تجاوره وتجهد - بشكل أقرب للضجيج من الغناء - أن تلفت نظر المارة إليها.
على بعد أمتارٍ من "خالد" هناك فرقة موسيقية سورية أخرى، تجعلك أيضاً تتحسّس نفسك، أين أنا.. في إسطنبول؟! أم أني في سهرة دمشقية تعود للماضي السحيق، حينما كان صوت السمر يعلو على صوت القذائف؟!
خالد، كغيره ممن المجموعات الموسيقية السورية التي التقيتها في إسطنبول، طالب جامعي ترك دراسته في جامعة دمشق، يتقن الإنجليزية بطلاقة ويعمل مترجماً، لا توحي مفرداته بالبساطة، هو يعلم ماذا يفعل تماماً، ويعتبر أن عمله أقرب للفن من التسوّل، لا يظهر مبالاة كبيرة بالمال لكنه أيضاً لا يُنكر حاجته.
إن تتبعت حسابه على "فيسبوك" تجد أن له مشاركات فنية متنوعة، شارك مع "الأخوين ملص" في مقاطع فنية مختلفة، تقدم لـ"أراب آيدول" دون أن يحالفه الحظ فيه، تظهر كتاباته - حينما كان في دمشق - تذمراً من الحرب ومعاداة للنظام، دون أن توحي بأنه شارك بشكل فعليّ في الثورة على الأرض، يعتبر نفسه ضحيةً لحرب لم يختارها هو بل اختارها النظام، وأنه بفنّه يدعم الثورة، ويودّع دمشق بسبب اقتحام قوات النظام لمناطق سكنه بـ"بوست" حزين.
على الطرف الآخر من شارع الاستقلال التقيت أحد أفراد فرقة موسيقية تغني للثورة السورية، لا يبدو اهتمام المارة كبيراً بما هو ليس تركياً، لا يكتظ الناس حول هذه الفرقة بذات الطريقة التي يكتظون بها حول فرقة تركية، ولا تعلو الصيحات والتهليلات بذات الطريقة، يقول لـ"العربية.نت"، ويفضل ألا يذكر اسمه: "إذا كان ما نقدّمه فنّاً ثورياً فهذا يعني أن هناك فنانين لم تدعمهم الثورة فبقيت الثورة دون فن كما ترى، وإن كان ما نقدمه تسولاً فهذا يعني أننا - نحن الشهادات الجامعية - تحولنا من "مدللين" في بلادنا إلى متسولين في بلاد الخارج دون أن يلتفت لنا أحد!".
ثورة بلا فن
حتى اليوم، لم تنتج الثورة السورية فناً حقيقياً يليق بعظمة ما قدمه الشعب السوري من تضحيات من أجل حريته، أغلب التجارب هي تجارب فردية غنائية كانت أم تمثيلية، حكم الجمهور على أغلبها بالفشل، وتحولت ليالي دمشق التي تعجّ بالنشاط الموسيقي والفني والتمثيلي إلى تسوّل في شوارع بلاد غريبة.
هذا ما تبادر إلى ذهني بينما أمرّ في واحد من أكثر شوارع العالم اكتظاظاً.