التغريبة الأشهر في الموروث العربي القديم هي" تغريبة بني هلال" والتي أضاف إليها تاريخنا المعاصر "تغريبات" كثيرة لعلّ آخرها" التغريبة العراقية" حيث تستقبل آلاف العوائل النازحة في مناطق عديدة من العراق هذه الأيام شهر رمضان الكريم، وقد فارقت منازلها مضطرة نتيجة الفعاليات المسلحة أو التهديدات الإرهابية من دون أن تصطحب معها أي مواد تموينية أو أفرشة لأن المعارك والتقارير الواردة عن عمليات الخطف والإعدامات العشوائية دفعتها للفرار؛ وصار النجاة بأرواح الأطفال والنساء والشيوخ يحتل الأهمية الأولى.
ومما زاد في المعاناة أن مدن كردستان التي هربوا إليها تواجه إقبالا سياحيا معتادا في مثل هذا الفصل مما يجعل الأسعار ملتهبة كالتهاب حرّ الصيف.
وبحسب تقارير المنظمات المعنية بالهجرة وحقوق الإنسان فإن ما يقرب من مليون نازح قد فارق بيته في الأحداث الأخيرة. فكردستان لوحدها قد استقبلت ما يقارب 400 ألف نازح من مناطق الموصل فقط. وهؤلاء جميعاً سيستقبلون رمضان هذا العام في مخيمات تفتقد لأدنى الشروط الإنسانية، وفي ظل أجواء لاهبة، حيث تصل درجات الحرارة إلى 50 درجة مئوية وبغياب كامل لخدمات الماء والكهرباء والسكن الملائم.
أديب من نينوى كتب في مدونته الشخصية "سنفتقد رمضان بنكهته الموصلية التي كانت تضوع من أسواقنا القديمة؛ سوق الدواسة وباب السراي وشارع القيّارة حيث تجد كل ما يخطر في بالك من البضائع والحاجيات الضرورية لموائد رمضان الشهية والمتنوعة".
وأضاف" أمي ومن بين دموعها تقول لا سوق في الدنيا يشبه أسواقنا الشعبية".
وليس للموائد طعم إذا خلت من الشاي الموصلي وعصير الزبيب ومنقوع السوس؛ أما لو رأيت نظرات الحزن المتسائلة في عيون أطفالنا عن رمضان هذه السنة ولمَ يختلف عن رمضان العام الماضي الذي اعتادوا فيه السهر على المسلسلات العربية والاستيقاظ على صوت الطبل ونداء المسحراتي؛ لعرفت كم هو موجع أن تكون مهجّرا ليس عن مدينتك أو شارعك أو بيتك فقط وإنما عن فراشك الذي اعتدت النوم فيه".
من جهتها تكتب الإعلامية والروائية رشا فاضل بعد أن غادرت مدينتها "تكريت" التي مازالت مناطقها بين كرّ وفرّ: "صمنا اليوم. وفي زوايا الروح افتقاد لبيوتنا. مطابخنا. الأشياء التي نعرف أماكنها تماما. والمشهد الأخير للبيت الذي أحببت كل ركن فيه: حقائب لا تتسع لتفاصيلك وحياتك. الكتب. الذكريات. لم يكن لها مكان تحت قصف الطائرات المجنونة التي لا تفرق بين بيوت آمنة. ورصاص غادر، تبادلنا الأدعية مع الجيران. على أمل أكيد بإذن الله بأن لنا عودة لبيوتنا ولحدائقنا المأهولة بالورود والخضرة والحديث عن هذه التجربة ككابوس عابر تطغي عليه حلاوة السكر وهو يدور في (استكان) شاينا المقدس".
"مارزيو بابيل" ممثل اليونيسيف في العراق زار مناطق النازحين وهاله ما رآه. وفي بيان صادر عن منظمته قال فيه "إن الأُسرَ النازحة التي التقيت بها تحكي القصة نفسها عن الخوف وعدم الاطمئنان؛ وكان الرعب واضحاً على الأطفال والأشخاص الذين مرّت بهم أصعب السنوات في العراق يعيشون كوابيس كانوا يعتقدون أنهم لن يمروا بها ثانية".
مثلما يؤكد العاملون في مجال المساعدات الدولية أن الوسيلة الوحيدة لتلبية حاجيات النازحين هي "فتح ممرات إنسانية" وإعلان المدارس والمساجد والمستشفيات" أماكن محايدة وآمنة" يمكن للنازحين اللجوء اليها.
وفي أفق لا تبدو فيه الحلول قريبة هناك الكثير من النازحين الذين يمنّون أنفسهم بالعودة إلى ديارهم ولو ليوم واحد من رمضان أو حتى يوم العيد الذي يكرسه الإسلام عادة للتسامح والعفو والبدايات السليمة.