أعتذر للقارئ إذا كنت سأطرق على باب قد مل الناس من كثرة الطرق عليه ولا مجيب، أو أني سأضرب على جرس "معطل" يزعجنا في الخارج ولا يسمعه من بالداخل، لكن نار الألم تحول الملل إلى أمل، ولعل أحدا ما يسمع صوتنا في هذه المرة. فالكثير من الأسر تعاني من مشكلة العمالة المنزلية - إما لعدم توافرها بأجر معقول أو هروبها بعد وصولها - خاصة مع بدء العام الدراسي. فلقد تغيرت الأسرة السعودية كثيرا في العقود الأخيرة، فجميع أفرادها يعملون أو في مرحلة التأهيل للعمل، الاقتصاد السعودي غني جدا وقادر على توفير فرص عمل شتى، حتى أولئك الذين لم يجدوا وظائف حكومية أو في القطاع الخاص لديهم فرص حقيقية اليوم لإقامة مشاريعهم الخاصة، صغيرة أو تلك المتناهية في الصغر سواء في المنزل أو خارجه. ونظرا لهذا أصبحت معظم الأسر السعودية بحاجة إلى عمالة للمساعدة في أعباء المنزل، الأمر الذي خلق طلبا غير مسبوق على خدمات هذه العمالة، طلبا لم تكن السوق السعودية منظمة بدرجة مناسبة من أجل الاستجابة له، ولم تكن مرنة بشكل كاف لخلق بدائل عاجلة لأي عمالة تفقد قدرتها على الاستجابة لمتطلبات السوق أو ترتفع أجورها بشكل مبالغ فيه. وهي مشكلة لا تنفصل كثيرا عن مشكلة سوق العمل في المملكة التي تعاني حتى اليوم مشاكل هيكلية عميقة تفقدها مرونتها في الكثير من الأحيان.
ونظرا لأن سوق العمالة المنزلية في المملكة كانت تعتمد على سوق العمالة الإندونيسية فقد واجهت ما يشبه الصدمة عندما أغلق الطرفان - السعودي والإندونيسي - باب التفاوض لتوريد العمالة. ولأن السوق غير مرنة بشكل كاف فقد ارتفعت الأجور بشكل خيالي جدا، وأفرزت العيوب الهيكلية والنظامية الكثير من المشاكل وبرزت سوق سوداء مستغلة تلك العيوب مع كثرة تجار الشنطة والمطاعم المنزلية المجهولة، ولترتفع أسعار نقل الكفالة إلى مستويات خيالية تجاوزت 30 ألف ريال، وازدادت حالات هروب العمالة التي تجاوزت رقم 65 ألف حالة قبل رمضان الماضي؛ وهذا تسبب في خسائر فادحة للأسر تقدر بأكثر من مليار ريال خاصة مع اقتراب مواسم مثل رمضان، والعيد وبدء الدراسة. ورغم تفاقم المشكلة مع الأسواق الموردة للعمالة، إلا أن الجهات المنظمة للسوق بالداخل لم تحاول، ولو مجرد محاولة قراءة المشكلة داخليا ومعالجتها، وقد ظهرت للجميع عيوب السوق النظامية الهيكلية، وكل ما نسمعه ويتردد هو محاولات من لجنة الاستقدام في الغرف التجارية للتوصل إلى حلول خارجية مع الدول على أساس أن الموضوع تجاري بحت، والتجار الموردون هم المسؤولون عن ذلك. وحتى الآن لم تنجح تجربة شركات العمالة، التي أدركت أن العمل مع المؤسسات التجارية أفضل وأسلم وأكثر ربحية من العمل في قطاع العمالة المنزلية، ولذلك لم تبذل هذه الشركات أي مجهود لا من أجل حل المشكلة ولا من أجل تقديم خدمات مقبولة تبرر الأسعار.
فلماذا وصلت السوق إلى هذه الحالة؟ أعتقد أن المشكلة لها عدة جوانب وفيها تكمن الحلول. أولها مشكلة عدم تقنين نقل الكفالة، حيث يمكن لأي شخص نقل كفالة العاملة حتى قبل أن تصل إلى المملكة، ومن يتابع إعلانات نقل الكفالة في المواقع الإلكترونية يكتشف إلى أي درجة تطورت هذه السوق؛ فهناك من يعلن عن التنازل لكفالة عاملة تصل اليوم أو غدا، وهنا مشكلة، حيث إن سوق نقل الكفالة خلق مشكلة طلب وهمية في الدول التي نستقدم منها، وتسبب فقدان الثقة في المجتمع السعودي فتطرفت الدول في شروطها، وأجور العمال وأسعار المكاتب. فمن يستطيع أن يدفع نقل كفالة تصل إلى 30 ألف ريال لا مانع لديه من دفع 25 ألفا للدولة المصدرة ومكاتبها، وهكذا ندخل في دائرة استغلال المواطن. والسؤال كيف يمكن لأي شخص تقدم طوعا بطلب استقدام عمالة - خاصة المنزلية - أن ينقل كفالتها خلال فترة قصيرة جدا من استقدامها. هذا لا يمكن فهمه، فإذا كانت غير مناسبة للأسرة، أو أن العاملة رفضت العمل بأي حجة، فإن العقد بين المكتب والمواطن يضمن تغيير العاملة خلال ثلاثة أشهر، فلماذا تسمح السلطات لدينا بنقل الكفالة بهذه السرعة، فمن المفروض ألا يتم نقل الكفالة لأول مرة إلا بعد مضي فترة التجربة وعلى الأقل خمسة أشهر، وفي حالة نقل الكفالة بعد هذه المدة فلا يجوز إعادة نقلها إلا بعد فترة أخرى مماثلة. ذلك أن الذي بدا يظهر في سوق العمالة هو ما يشبه المضاربة في سوق الأسهم، ولن تحل إلا من خلال إغلاق باب نقل الكفالة وتقنينه بشكل صارم خاصة في العمالة المنزلية ذلك أن المفروض هو الاستقدام للعمل وليس لنقل الكفالات. الموضوع الثاني، هو ضبط مسألة السوق السوداء للعمالة المنزلية، وهذا لن يتم إلا من خلال مراقبة المنازل التي تورد العمالة للمنازل الأخرى، وإصدار عقوبات رادعة وقوية لذلك، فالأصل أن يتم ذلك من خلال إنشاء شركة متخصصة، وأنا شخصيا مع تسهيل إنشاء مثل هذه المؤسسات لمن يرغب، وأعتقد أن سبب ظهور هذا النوع من السوق السوداء يعود إلى وجود مشاكل نظامية وتعقيدات في إنشاء المؤسسات باشتراطات لا محل لها من الإعراب. المقلق جدا في هذا هو أننا لا نقوم بفتح السوق وتحريرها ولا نسمح بمزاولة هذه المهنة علنا ليراقبها المجتمع ويقاضيها بعقود واضحة، ثم نعود من جانب مظلم ونتغاضى عن مزاوليها بالخفاء، فهذا من المشاكل النظامية والهيكلية في السوق ويجب أن يتم حلها تماما. ذلك أن مثل هذه التصرفات قد خلقت مشكلة هروب العمالة خاصة قبل المواسم، رمضان وبدء الدراسة، فالأسر التي تستقدم العمالة المنزلية لمثل هذه الاحتياجات ثم تهرب العاملة فجأة وبتنسيق مع مجهولين، فإن الأسرة قد تضطر للبحث عن بدائل متاحة في السوق وللأسف تجدها مع هؤلاء المجهولين وقد أصبحوا موردين غير شرعيين، وتكتشف العائلات بمرارة حجم ابتزازهم وبعاملات هاربات من أسر أخرى مماثلة، فهم من يتسبب في هروب العاملات من خلال تقديم رواتب مغرية مبالغ فيها جدا، مع ساعات عمل محدودة وقصيرة.
الموضوع الثالث هو عقود الاستقدام، وهذه قد قيل فيها الكثير، لكن عدم وفاء المكاتب بشروطها مستمر والسبب هو عدم وجود مرجعية للتحكيم وعاجلة، كما لا توجد هيئة خاصة لفض المنازعات في هذا، ورغم أن هذا هو أهم دور للمؤسسات الحكومية (أي فض المنازعات بين الناس في الأسواق وحالا)، إلا أن جميع الجهات المختصة وفي كل اختصاص لم تقم بذلك ويحتاج المواطن إلى مئات من الرحلات المكوكية من أجل فك ألغاز التقاضي قبل التقاضي نفسه. وهذه مشكلة نظامية.
إنني واثق تماما أن حل كل هذه القضايا مجتمعة سيعزز من حضور السوق السعودية كسوق وبيئة مناسبة للعمل، كما يجعل الثقة فيها تتزايد وسيفتح الكثير من الأبواب المغلقة حاليا في وجه توريد عمالة جيدة ومناسبة.
*نقلا عن الاقتصادية
https://www.aleqt.com/2014/08/09/article_874741.html