شاركت الملكة رانيا العبدالله في مؤتمر "الاستثمار في المستقبل – حماية الأطفال اللاجئين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" الذي ينظم للمرة الأولى في المنطقة، ويقام في إمارة الشارقة تحت رعاية الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وألقت كلمة رئيسية خلال الافتتاح، أكدت فيها على أن كارثة اللاجئين تعتبر من أعظم الكوارث الإنسانية، مشيرة الى أن الجميع يدرك حجمها؛ وقوة صفعتها على وجه إنسانيتنا.
وخلال المؤتمر الذي جاء بدعوة من قرينة حاكم الشارقة، الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، المناصرة البارزة للأطفال اللاجئين في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وحضورها، قالت الملكة رانيا "نعلم أن الجميع يحاولون مساعدة اللاجئين والوقوف إلى جانبهم في محنتهم. لكن الكوارث الإنسانية تحتاج إلى جهود كل الناس".
وأضافت "الاقتلاع من الوطن.. يخلق واقعاً جديداً فالدنيا صغيرة عندما ننظر إليها ونحن آمنين، لكنها موحشة وكبيرة وغريبة لمن لا يعيش في أمان، حين يخرج الإنسان من وطنه قسراً، ينتقل من كونه ملكاً في بيته، إلى كونه رقماً. بالرقم يأكل؛ وبالرقم يسكن؛ وبالرقم يعيش".
الملكة رانيا: الأردن كبير في انتمائه القومي والإنساني
وتابعت قائلة "في الأردن كثافة اللجوء السوري تشكل تحدياً كبيراً لنا؛ خاصة في المجتمعات المحلية المستضيفة. هناك أكثر من مليون سوري في الأردن، منهم 613 ألفاً فقط مسجلين في الوثائق والسجلات".
وأضافت "الأردن صغير بحجمه؛ إلا أنه كبير في انتمائه القومي والإنساني.. والبركة المطروحة في أرضه، والشهامة الأردنية لا تقبل الذل والمعاناة والتشرد لأي عربي".
وأشارت إلى أن "العالم منذ عقود يعرف جيداً أن بإمكانه الاعتماد على الأردن في المواقف الإنسانية الصعبة، وعلى العالم دور كبير في مساندة جميع الدول الحاضنة والمستضيفة للاجئين، لأن في هذا استقرار لمنطقتنا".
وفي حديثها عما يقدم للاجئين قالت الملكة رانيا "هناك عجز واضح في العطاء الإنساني؛ فالاحتياجات لتخفيف المصائب والمحن تفوق ما يقدم بكثير. تقديرات الأمم المتحدة لحاجة الدول المستضيفة للاجئين السوريين تتجاوز ثلاثة مليارات دولار لتغطية نفقات احتضان اللاجئين في عام 2014، ولم يتبق من عامنا هذا سوى شهرين، ولم يتم تأمين سوى 50 بالمائة من هذا الرقم".
وأكدت الملكة رانيا على أن هذه الأرقام تغطي نفقات اللاجئين المسجلين وليس كلفة استضافة النازحين ككل. فالعائلة النازحة؛ والعائلة المواطنة التي تشاركت معها في مواردها الشحيحة من مياه؛ وطاقة؛ وكهرباء، والطفل الذي ترك مدرسته وبيته ووطنه؛ والطفل الذي اكتظ صفه؛ وتقاسم عطاء معلمه؛ ووقت حصته الدراسية. كلهم بحاجة للدعم، لئلا يشعر أي منهم بالقهر.
ظروف الأطفال السوريين اللاجئين
وحول الظروف التي يتحملها الأطفال اللاجئون السوريون، قالت "ثلاثة أعوام انطوت وطفولة اللاجئين تمضي... وللطفل ثلاثة أعوام هي عمر"، مبينة الى أن الحياة صدمتهم بقسوتها وإجحافها في حقهم، وأثقلت أعوامهم الصغيرة بهموم وتراكمات ندوب جسدية ونفسية.
وتساءلت الملكة رانيا "أية طفولة وأي مستقبل ينتظر الأطفال في أوطاننا العربية الممزقة؟ وهل سنرضى لهؤلاء الأطفال.. للملايين من هذا الجيل أن يكبروا وهم يعتقدون أننا رأينا حالهم والفراغ في مستقبلهم، ولم نفعل شيئاً؟"
وقالت هناك مئات الآلاف من الأطفال العرب خارج المدارس بسبب النزاعات. وأثمن ما قد نقدمه لهؤلاء الأطفال هو تعليم يقيهم ذل الضياع، حتى لا تقعدهم دوامة اللجوء عن بناء حياة ملكهم.
وأضافت واجبنا هو أن نؤمن لهم تعليماً يرون من خلاله مستقبلهم... تعليماً يخرج بخيالهم وطموحهم من الشتات إلى عالم لهم فيه دور. فحين ينقشع غبار الحرب سيبدأ أطفال وشباب اليوم بالعودة لأوطانهم، ولكي يبنوا وطناً ينعمون فيه بالأمن والاستقرار... يجب أن نعلمهم اليوم. التعليم هو أداتهم لإعادة بناء أنفسهم وإعادة إعمار أوطانهم.
وأكدت الملكة رانيا على أن إغاثتهم وتمكينهم من العيش مسؤولية كل شخص خارج تلك الدوامة، لا عطفاً بل واجباً إنسانياً.
وقدمت الشكر لدولة الإمارات العربية المتحدة ولإمارة الشارقة والشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي؛ والشيخة جواهر القاسمي وللمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على عقد وتنظيم هذا المؤتمر الذي يأتي في الوقت المناسب لحشد الجهود لدعم ومساندة اللاجئين.
كلمة حاكم الشارقة
وكان الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة قد افتتح المؤتمر بكلمة قال فيها "للأسف الشديد ونظراً للظروف المختلفة والمتغيّرة التي تحيط بالعديد من بلاد العالم وخاصة منطقتنا في السنوات الأخيرة نجد أمامنا الآن ملايين الأطفال واليافعين والنساء... في حالة مأساوية قاسية نزحوا من ديارهم هاربين من أهوال الصراعات والنزاعات المسلّحة التي تدمر بدون تمييز كل ما هو أمامها من بشر وممتلكات ويتجاهل منفذوها ما تنادي به الأديان السماوية كلها، وكل ما تحتويه التشريعات والقوانين المحلية والمواثيق الدولية من الحقوق الأساسية".
وأشاد الشيخ القاسمي بالجهود التي بذلتها دول جوار مناطق الصراع وبعض الدول الأخرى والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، والمنظمات المعنية بجامعة الدول العربية وبعض مؤسسات المجتمع المدني كل في مجاله.
وأضاف: "لقد تبين جلياً من خلال الممارسات الفعلية في أماكن تجمع اللاجئين والنازحين الحاجة الملحة لزيادة ودعم التعاون بين جميع المشاركين في تقديم الحماية والرعاية الشاملة وخاصة في مجالي الصحة والتعليم داخل وخارج المخيمات لتعظيم الاستفادة من الجهود المبذولة ولتأهيل الأطفال واليافعين لمستقبل أفضل بإذن الله".
شخصيات رسمية ودبلوماسية وإعلامية
وحضر حفل افتتاح المؤتمر الذي يعقد على مدار يومين الدكتور نبيل العربي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، وأنطونيو غوتيريس، المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والشيخ سلطان بن محمد بن سلطان القاسمي، ولي العهد نائب حاكم الشارقة، والشيخ هزاع بن زايد آل نهيان، مستشار الأمن الوطني نائب رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، والشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيس هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير "شروق"، وعدد من الشيوخ والشخصيات الرسمية والدبلوماسية والإعلامية، من داخل دولة الإمارات العربية المتحدة وخارجها.
ويشارك في المؤتمر وفد رسمي أردني يضم وزيرة التنمية الاجتماعية ريم ابو حسان وممثلين عن الجهات ذات العلاقة بشؤون اللاجئين في الأردن، حيث سيقدم الوفد أوراق عمل عن الجهود التي يقدمها الأردن للاجئين.
وسيناقش المؤتمر آليات حماية الأطفال واليافعين اللاجئين، وضمان حقوقهم خاصة في العيش والتعلم. إضافة إلى مناقشة دور العائلة والمجتمع في حماية الأطفال اللاجئين، ودور القطاع الخاص والإعلام في توفير الدعم والحماية للأطفال.