"العراق أولاً" شعار أطلقه مسؤولون أميركيون منذ أيام، وللشعار هذا تطبيقات محددة في سياسة الرئيس الأميركي باراك أوباما في الحرب ضد "داعش".
فالأميركيون يتابعون تفاصيل السياسة العراقية عن قرب وبدقة، ويريدون التحقق من إنجاز مراحل "خطتهم" العراقية قبل الدخول في "فصل سوريا".
يعتبر الأميركيون أن تعيين وزيرين للداخلية والدفاع واكتمال البنية الحكومية العراقية التي تتحكم بالشأن الأمني خطوة ضخمة وأهمّ ما فيها أنها تسمح بمدّ الجسور مع الأطراف السنّة المعنيين بمواجهة القاعدة ميدانياً.
وزير الدفاع العراقي الجديد "شخصية سنيّة محترمة"، يقول الأميركيون، ومن مميزاته أنه كان في القوات الجوية العراقية أيام الرئيس السابق صدام حسين، وهو فائق الأهمية للانتقال الى المرحلة المقبلة، أي مواجهة "داعش" من خلال أبناء الأنبار وبناء الحرس الوطني العراقي، وسيكون هذا الحرس مسؤولاً عن حماية هذه المناطق، فيما يهتمّ الجيش العراقي بحماية الحدود، كقوة فدرالية.
لم يأت خالد العبيدي إلى وزارة الدفاع وحيداً، بل جاء أيضاً سالم الغبّان وزيراً للداخلية، وهو قيادي في "لواء بدر" التابع للمجلس الأعلى وله علاقاته التاريخية مع إيران.
يعتبر الأميركيون الآن أن إيران لم تتمكن من إيصال مرشحها الأصلي، هادي العامري، لهذا المنصب. لكن الأهم في حكومة حيدر العبادي أنها أصبحت متناسقة أكثر مع متطلبات العراق الحالية، فرئيس الحكومة لا يتحكّم بوزارة أمنية مثلما فعل رئيس الحكومة السابق نوري المالكي لسنوات طويلة.
يعتبر الأميركيون أيضاً أن الأكراد حققوا من خلال هذه المعادلة الحكومية مكاسب جيّدة، وهذا يطمئن الأكراد على العلاقة مع العراق الفدرالي، ويخفف من اندفاعهم باتجاه طلب الاستقلال. فوزير المالية الحالي، هوشيار زيباري، واحد من رموز السياسة الكردية، وموقعه في وزارة سيادية مثل هذه يُعطي الأكراد تطمينات كثيرة من أن لهم دورا في الحكومة المركزية، كما أن عادل عبدالمهدي، وزير النفط العراقي الجديد، شخصية مقبولة من الأكراد، الذين واجهوا علاقة معقّدة وصعبة مع سلفه حسين الشهرستاني.
من أهم مؤشرات المرحلة الحالية، برأي الأميركيين، أن حكومة حيدر العبادي تأخذ خطوات لإعادة التوازن الى الشارع العراقي، وتطلب من الميليشيات "الشيعية" وقف التظاهرات والاستعراضات، لكنها تطلب منها أن تبقى داعمة للقوات النظامية وحماية بغداد بانتظار أن تبدأ المواجهة مع "داعش".
من الممكن القول إن الأميركيين أدخلوا تعديلاً على "تتابع المراحل" في العراق، فالخطة الأصلية تشمل إنشاء الحرس الوطني ثم مواجهة "داعش"، لكن مصادر العاصمة الأميركية قالت لـ"العربية.نت" إنه مع تعيين وزير الدفاع الجديد لن تنتظر واشنطن إقرار مشروع الحرس الوطني في البرلمان العراقي، بل ستبدأ التعاون مع وزارة الدفاع، وسيقّدّم الأميركيون من خلال الوزارة معلومات استخبارية وتسليح للعشائر السنيّة. ويعتبر الأميركيون أن العرقلة التي كانت تواجههم من قبل لم تعُد موجودة.
تبدو مواجهة "داعش" والتنظيمات المتطرفة الآن شبيهة بما حدث في العامين 2007 و2008، ويرسم الأميركيون خططاً وخرائط للعشائر الموجودة في المنطقة، ويصفون ما سيحدث بأنه استعادة المناطق من "داعش" "قرية بعد قرية ومدينة بعد مدينة".
ويؤكّد الأميركيون أنهم سيساعدون العراقيين والسنّة على ذلك من خلال العمليات الجوية المستمرة، وتوفير معلومات الرصد، وتسليح العشائر والأفراد المناهضين لـ"داعش"، وتنسيق العمل فيما بينهم ومع وزارة الدفاع العراقية.
يتوقّع الأميركيون مراحل من التقدّم والكرّ والفرّ بين "داعش" ومناهضي التنظيم الارهابي في العراق، لكنهم يصرّون على أن المواجهة ستكون بين الطرفين وليس بين الأميركيين والتنظيمات الارهابية. وما يختلف هذه المرة في سياسة الحكومة الأميركية هو أنها، بعد سنوات من "رفع اليد"، تريد الولايات المتحدة أن تتعاطى عن كثب مع الشأن العراقي. وفيما طيارو أميركا في الجوّ، يعمل ضباطها وجنودها في معسكرات عراقية، ويوجّهون التنظيم السنّي، ويعملون على جمع المعلومات وتوزيعها، كما يتعاطون مع توجيه العمليات.
سيعتبر الأميركيون أن أهم خطوة تالية أمام العراقيين، هي عودة الثقة بقدراتهم العسكرية والميدانية، فيما يعمل تنظيم "داعش" على استعادة المبادرة ويحاول السيطرة على مرافئ حيوية، مثل محاولة العودة الى سدّ الموصل، أو متابعة حصار باجي والسيطرة عليها نهائياً. لكن الأميركيين يعملون كل ما بوسعهم الآن لمنع "داعش" من العودة الى السدّ ويسعون لفتح طريق الإمداد مع باجي.