في تمام الواحدة من فجر اليوم الجمعة، بحسب بيان الديوان الملكي، ترجل الفارس عن جواده، وأغمض عيناه، وأسلم روحه لبارئه، ورحل ملك لم يكن ملكاً فقط، وإنما والداً، قائداً، مؤثراً وحاكماً، وغادر هذه الحياة التي أحب فيها شعبه وبادله الأخير بالمثل، وانتقل عبد الله بن عبد العزيز من مرحلة رفقه بالعباد إلى رحمة رب العباد.
عبد الله بن عبد العزيز الذي أسس لرياضة الفروسية في البلاد، كان بمثابة الفارس الأصيل، الذي لا يخادع أو يغدر بمن يطلب المدد منه، وهذه بشهادة أعدائه القلائل قبل أن يشهد له محبوه من أقاصي الأرض إلى أدناها.
ولأن شعبه أطلق عليه لقب "صقر العروبة"، لم يشأ الملك الراحل أن يخذل شعبه، فبات أهم شخصية عربية، تنتظر منه القيادات العالمية ما قد يوجه به، أو يعتزم فعله، وأصبح مرجعاً جامعاً لكل العرب، خصوصاً بعد إطلاقه مبادرته للسلام، والتي التف حولها العرب عبر جامعة الدول العربية، وتبنتها في قمة بيروت، وأصبحت تحمل مسمى "المبادرة العربية للسلام"، ولا تزال مرجعاً لأي حل او طريق للمفاوضات المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط.
فجر الجمعة الذي تفاجأ فيه السعوديين بنبأ رحيل من طوع نفسه لخدمتهم، سيظل راسخاً في أذهانهم طويلاً، تماماً كما ترسخت في مخيلاتهم دموعه التي انهمرت وأشهرها حين زيارة الراحل خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز الشهيرة والمفاجئة لحي الشميسي، حين دلف إلى عقر دور الفقر التي كان الحي يعج بها، ولم يكن بإمكان الملك الراحل حينها حبس دموعه، التي تسابقت كاميرات الهواة والمحترفين على التقاطها، او تلك التي انهمرت حين مغادرته لمقبرة العود في الرياض، وكانت الكاميرات أيضاً تتربص بدموعه هناك، إبان مراسم دفن أخاه وملكه الراحل أيضاً خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز، أو خلال حضوره حفل أبناء شهداء الواجب، وغيرها الكثير.
ولن ينسى السعوديون أيضاً، ذلك الكرسي الذي خصصه الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز على مقربة منه، في صدر مجلسه الشهير، إبان ولايته للعهد، للاستماع من مسن أو طالب أمر أو متظلم، وعلى الأقل سيتذكر ذلك الأمر كل من وجد حلاً أو إجابة لمطلبه، وما سيترسخ أيضاً طريقة تعامله مع كبار السن، وكيفية استقباله وإنصاته لهم.
ولأن خادم الحرمين الشريفين الراحل أقسم بأن يكون همه الأول وهاجسه الأساس هو المواطن وخدمته، قاد أكبر عملية تغيير على مستوى الوزارات والقطاعات الخدمية، حتى بات من المتوقع أن يتم تغيير من جرى تعيينه، بعد فترة وإن قصرت، في حال ثبت عدم كفائته، أو عدم توائم ما يقدمه من خدمات مع متطلبات المواطنين.
وفي حين كان يترقب السعوديون نبأ شفاء خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، وتجاوزه العارض الصحي الذي ألم به، نزل عليهم بيان الديوان الملكي بنعيه كريح صرصر حركت معها ذكريات هذا الملك الصالح، الذي أصبح المواطنون ينادونه بــ "أبو متعب" بدلاً من "الملك"، نظير ارتباطهم وتعلقهم به.
وفي حين ضجت وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة بعبارات التعزية والنعي، تداول السعوديون واحدة من أبرز كلمات الراحل عبد الله بن عبد العزيز : "لا تنسوني من دعائكم"، وكأنها الوصية التي حرص على تسطيرها قبل وفاته بوقت طويل.
هذا ليس كل شيء سيتذكره السعوديون، فنبرة صوت عبد الله بن عبد العزيز، وعفويته في إلقاء وقراءة خطاباته، وحتى طريقة استهلال خطاباته بقوله : "بسم الله.. الرحمن .. الرحيم" مجزأة، ستظل جميعها عالقة وراسخة، بل وحتى جولاته في المجمعات التجارية وحرصه على متابعة كل شاردة وواردة في هذه البلاد، حتى وإن كان على حساب وقته وصحته، وكان آخرها حضوره افتتاح مدينة الملك عبد الله بن عبد العزيز الرياضية في جدة، وهو للتو عائد من رحلة علاجه.