ممارسات تنظيم داعش الوحشية التي لا تنفك قنواته الدعائية تُروج لها، نجحت في بث الرعب في نفوس من أقدموا على مشاهدتها وهم كثر أو حتى من سمع عنها. غير أن هناك فئة أخرى من داخل التنظيم نفسه تحمل رعباً خفياً من تلك المشاهد المفرطة في العنف التي تتعارض مع الطبيعة الإنسانية.
فالمنضمون الجدد إلى صفوف مقاتلي داعش يخضعون للتدريب النفسي قبل العسكري من قبل خبراء التنظيم المتطرف، لنزع أي حس إنساني لديهم واستبداله بالتعطش للرقاب والدماء.
وقد كشف كتاب صدر حديثا تحت عنوان "داعش: من داخل جيش الرعب"، منهجية التنظيم المتطرف في تدريب المنضمين الجدد إليه وتهيئتهم لتقبل أساليب العنف المفرط التي سيدفعهم التنظيم في ما بعد إلى ممارستها، بعد أن تمكن مؤلفا الكتاب الأميركي مايكل ويس والسوري حسن حسن من التحدث إلى عشرات المقاتلين والأعضاء في تنظيم داعش.
ويرى حسن في تصريحات صحافية أنه "من الضروري فهم إيديولوجية هذا التنظيم الذي تمكن من الاستيلاء على أجزاء واسعة من أراضي العراق وسوريا".
ومن خلال المقابلات التي أجراها الكاتبان تمكنا من تكوين فكرة عن طرق داعش في التحكم بعناصره الجدد وتجنيدهم، أثناء دورات تدريبية في معسكرات خاصة تتراوح مدتها بين الأسبوعين والسنة، حيث يقضي المنضم الجديد فترة من التلقين قد تصل إلى سنة حتى يتم تصنيفه كمقاتل ضمن التنظيم.
وجاء في الكتاب أن "المجندين يتلقون تدريبا عسكريا وسياسيا ودينيا في نفس الوقت، كما يتدربون أيضا على فنون التجسس المضاد لمنع عمليات التسلل إلى صفوفهم".
ويعد الخطاب الديني الموجه واحدا من أكثر الجوانب التي يركز عليها تنظيم داعش في محاولته لغسل أدمغة العناصر الجدد، وضمان ولائهم للتنظيم عبر تبريرات عقائدية مجهزة بإحكام.
وبعد تدريبهم يبقون تحت المراقبة حيث يمكن طردهم أو معاقبتهم خلال تلك الفترة إن أبدوا بعض التحفظات أو الضعف حيال أساليب التنظيم المتطرفة.
والمنهج "الداعشي" في غسل أدمغة المرشحين الجدد للتطرف يختلف بدرجات حسب الفئة التي يصنف فيها هؤلاء العناصر، فبحسب الكتاب هناك ست فئات من العناصر داخل التنظيم، يهيمن عليها المتشددون الذين ينتسبون إلى إيديولوجيته المتطرفة، أما البقية فهم من الانتهازيين اللاهثين وراء المال أو القوة، أو براغماتيين يريدون الاستقرار تحت مظلة تنظيم من هذا النوع، وهناك جانب من المؤيدين للتنظيم ليسوا على قناعة بفكره وممارساته لكنهم يجدون فيه حماية ذات طابع طائفي في ظل الصراع المذهبي في المنطقة.
أما الفئة الأخيرة فهم المقاتلون الأجانب الذين تختلف دوافعهم، لكن تجمعهم نقطة مشتركة وهي جهل ما يجري حقيقة في العراق وسوريا، وهذه الفئة الأخيرة من المنتسبين لداعش هي الأكثر تسييسا، وهو جانب غالبا ما يقلل الغربيون من شأنه.
وقد كشف أحد عناصر التنظيم لمؤلفي الكتاب كيف أن خبراء داعش يعمدون إلى محاورة المنضم الجديد لفترة حتى يتمكنوا من التحكم في معارفه.
ويضيف أنه في كل معسكر للدريب يتواجد على الأقل أربعة مدربين يتولون مهمة التهيئة النفسية للمنضمين الجدد، حيث يعمدون إلى محو أي فكر علماني أو غربي لديهم، فهم مطالبون بالتخلي عن كل الأفكار التي تتعارض مع فكر التنظيم المتطرف.
وخلال فترة التدريب يوضع العناصر الجدد على نقاط التفتيش التابعة للتنظيم، فلا يسمح لهم الالتحاق بالجبهات إلا بعد انقضاء فترة التدريب هذه، ليتم تخريجهم بعد تقديمهم البيعة لزعيم التنظيم أبو بكر البغدادي.
ومما أوضحه الكتاب أيضا أن تنظيم داعش يعمد إلى تصوير الإسلام المعتدل الممارس في البلدان الإسلامية، على أنه "ممارسات موضوعة" تم ابتداعها منذ عشرات السنين، فيما يدعي التنظيم أن الممارسات الوحشية كقطع الرؤوس والصلب وعمليات الإعدام الموغلة في العنف ما هي إلا "عودة إلى جذور الإسلام والتطبيق الصارم للشريعة".