في الجزائر، هناك دعوات من قادة عسكريين سابقين في الجيش للتدخل عسكريا في ليبيا، لكنها دعوات تصطدم بجدار سميك يقوده الساسة، وعلى رأسهم الرئيس بوتفليقة الذي يقوم منذ ما لا يقل عن سنة بوساطة شخصية بين فرقاء الأزمة الليبية.
المقاربة الأمنية الجزائرية تقوم على فكرة أن "التدخل الأجنبي في ليبيا سيمنح المتطرفين مبررا شرعيا لجعل ليبيا أرض جهاد جديدة"، أما المقاربة السياسية فهي تقوم على "إشراك كل من أنصار القذافي والإخوان في العملية السياسية التي تقودها الحكومة الليبية المعترف بها دوليا".
ومعروف أن الجزائر تعترف بحكومة عبدالله الثني، ولا تتعامل مع حكومة عمر الحاسي الإخوانية، لكن لديها علاقات مفتوحة مع قيادات إخوان ليبيا، كالشيخ علي الصلابي المقيم بقطر.
أما بخصوص الموقف الرسمي الجزائري من الغارات الجوية التي قامت بها مصر انتقاما لذبح 21 قبطيا مصريا على يد تنظيم داعش الإرهابي في ليبيا، فقد جاء على لسان وزير الخارجية، رمضان لعمامرة، حيث دان العمل الإرهابي بحق الأقباط المصريين من جهة، ورفض التدخل الأجنبي في ليبيا من جهة أخرى.
أمنياً، هناك عدة رؤى مختلفة لما يجري في ليبيا، فقد تحدث قادة عسكريون للإعلام المحلي، وعبروا صراحة عن رفضهم لـ"التقوقع" الجزائري حيال الاقتتال الدائر في ليبيا.
وفي هذا السياق، استبعد العقيد المتقاعد رمضان حملات، نجاح الحل السياسي الذي ترافع لأجله الجزائر في ليبيا، وتساءل في مقابلة مع صحيفة "الشروق"، الخميس، قائلا "كيف يمكن للجزائر أن تقنع الأطراف المتناحرة في ليبيا؟ هذا أمر مستحيل مع وجود 1700 ميليشيات مسلحة، كل واحدة لها انتماؤها، ودخول تنظيم داعش".
وبالنسبة للعقيد حملات، فقد "أخطأت الجزائر عندما لم تتدخل في مالي بعد اختطاف الدبلوماسيين الجزائريين".
وهناك رأي آخر يتقاطع مع رأي العقيد حملات، عبّر عنه عقيد متقاعد من جهاز المخابرات الجزائرية، وهو محمد خلفاوي، الذي لم يستبعد أن تكون القاهرة قد أبلغت الجزائر بالضربات الجوية ضد مواقع داعش في ليبيا، من واقع أن الجزائر هي التي ترأس اللجنة الأمنية لدعم ليبيا التي تأسست في تونس، وتولت خلالها مصر رئاسة اللجنة السياسية.
العقيد خلفاوي، يقول في هذا السياق لـ"الشروق": "الجزائر تماطلت كثيرا في التعامل مع الجماعات الإرهابية وتركيزها المطلق على الحوار مع أطراف الأزمة. الوساطة غير ناجعة تماما، وهي الآن تطالب بالحوار كحل للأزمة الليبية، أي حوار سيكون وداعش تتقدم في ليبيا؟ إنها تتعامل بنفس الطريقة التي تبنتها في مالي بدعوتها للحوار فيما كان إياد غالي (زعيم أنصار الدين) يتقدم حتى تدخلت فرنسا".
لكن بالعودة إلى الموقف الرسمي، نجد أن الجزائر ترافع عن فكرة تضييق "مربع المتطرفين" إلى أضيق حد ممكن، اعتمادا على تجربة سنوات الحرب الأهلية (1990-1999).
وتقوم هذه المقاربة على تكسير جدار الإسلاميين، حيث قامت السلطة خلال الأزمة باستقطاب تيار الإخوان المسلمين إلى صفها ضد الجبهة الإسلامية للإنقاذ.
وفي الحالة الليبية، فتحت الجزائر قنوات اتصال مع قيادات إخوان ليبيا، ولدى الجزائر أيضا قنوات مفتوحة مع إخوان تونس، والهدف هو نفسه، تكسير جدار التشدد، وفتح مجال للتفاوض السياسي.
في دولة مالي، وافقت الجزائر على ضربات عسكرية فرنسية ضد المتطرفين، لكنها بموازاة ذلك تستضيف منذ أشهر مفاوضات سلام توجد في نسختها الخامسة بين فرقاء مالي، وتحظى هذه المفاوضات بدعم فرنسي.
وفيما يخص الملف الليبي، يرشح الخبراء ثلاث دول للمساهمة في حل الأزمة المعقدة جدا، هي الجزائر ومصر، بحكم أنهما أكبر جارتين متضررتين من انهيار الدولة الليبية، وأيضا فرنسا، بحكم أنها وقعت مع الحكومة الليبية اتفاقا عسكريا لحراسة الحدود.