تناقلت وسائل الاعلام المصرية والعربية خبراً يتعلق بتصريح الفنان لطفي لبيب، عندما أدلى بدلوه في مسألة "الإصلاح الجنسي" أو "التثقيف" الجنسي، من خلال عرض المشاهد الجنسية، في الأعمال الدرامية والسينمائية، كونها، تخفف "من المكبوت" فيساهم، ذلك، بالقضاء على ظاهرة التحرش الجنسي، والمشاكل الاجتماعية الأخرى المرتبطة بها، وذلك تبعاً لتصريحه الذي طالب فيه بزيادة ضخ "مشاهد العري" على الشاشات، للقضاء "على ظاهرة التحرش".
مما لا خلاف عليه، هو أن مسألة علاج الظواهر الاجتماعية العنيفة، كالتحرش الجنسي، يتطلب منهجاً علميا محددا، يقوم به فريق عمل متخصص، ومن العاملين الأكاديميين في هذا المجال عينه، دون سواه، وغير ذلك، تكون المعالجات حماسية وانفعالية غير مسؤولة. هذا مع العلم، أن المعالجات الغربية الهامة، لكل المسائل التي تتعلق بالدافع الجنسي، قد انتقلت من مرحلة "الثورة الفرويدية"، بكل ما تحمله من تركيز مفرط على الغريزة الجنسية وملحقاتها كالكبت وعوامل الكف الاجتماعي، الى مرحلة تتسم بمعقولية أكبر وذلك من خلال الربط والجمع مابين الدافع الجنسي وسواه من دوافع، يجعل من قراءته وتحليله، دراسة شاملة للفرد وعلاقته بالجماعة والتربية الأسرية والثقافة القانونية وحقوق الانسان، وباختصار: أصبحت الدراسات المرتبطة بالدافع الجنسي، ذات طبيعة اجتماعية صرف، ولاتكون عِيادية إلا في الحالات التي يكون فيها تصنيف المرض، أو الحالة، بأنه مرضٌ جنسي.
وفي العودة إلى دعوة الفنان لطفي لبيب، بزيادة مشاهد العري، على شاشات التلفزة، كحل لظاهرة التحرش الجنسي، فإن أبسط نتيجة يمكن أن يتحصل عليها المجتمع، هي زيادة حالات التحرش الجنسي، لسبب بسيط للغاية، هو أن المعالجة السابقة، تجاهلت ارتباط ذلك الدافع، بمجمل معطيات اجتماعية وتاريخية وثقافية، وأن مراقبة سلوك الأفراد والجماعات، حتى في المجتمعات الغربية المتقدمة، قدّمت للدارسين نماذج مختلفة من التحرش والاغتصاب والسلوك العنيف مع الشريك، لن يكون حلها بمجرد ضخ مزيد من مشاهد العري، والتي تتشابه مع القول للجائع إن متابعة الأكل على الشاشة سيمنحك إحساسا بالشبع!
تعقيدات الدافع الجنسي، تكشف عن صلات بغيره من الدوافع، لايكشفها الا البحث العلمي الأكاديمي الذي لن يتعامل في حال من الأحوال، مع الدافع السالف، بصفته مستقلا مستغنيا عن الشراكة مع باقي البنى الاجتماعية والفردية. بل على العكس، هناك حركة مزدوجة، من الدافع واليه، تجعل دراسته شأناً اجتماعيا ونفسيا، لا مجرد ظاهرة عِيادية يستلقي فيها "المريض" على سرير الطبيب النفسي، ليخبره أسرار تكوّن الشخصية، وطبيعة العلاقة مع الأم، وأوّل ممرضة شاهدها المريض وهي ترتدي ألبسة قصيرة مثيرة! أو على طريقة خادِمَتَي الفرنسي جان جينيه، في مسرحيته الشهيرة "الخادمات" عندما الخادمتان أخذتا بتقليد وارتداء ألبسة مخدومتهما والوقوف أمام المرآة مع زيّهن الجديد والمُستولى عليه من قبلهن، مادفع بمخدومتهما أن تقول لهما عبارة شهيرة تزلزل علم النفس الفرويدي: "إن أصلكما الوضيع مَنَحَكما المقدرة على عدم الإحساس بالألم"!
شاعران مطلوبان للعدالة!
أيضا، قصة التحرش ذاتها، والتي وصلت حدا من الغموض والتعقيد والتعميم، أصبح يُخاف معها، أن تتحول حتى قصائد الحب الى أدب تحرّشي.. فكيف سيكون الأمر بقراءة شعر عمر بن ابي ربيعة ونزار قباني وسواهما الكثير على مايرد من منقولات الأدب العربي، التي قد تصبح مطلوبة للعدالة بسبب الإفراط والتوسع في مفهوم التحرش، وتحوّله الى معيار مطّاط واعتباطي يعيق الحركة المزدوجة مابين الجنسين. وللدلالة أكثر على حجم الاعتباطية في المعالجة، سنجد أن هناك دعوات أكاديمية أطلقت منذ فترة، وهي على النقيض مما دعى إليه لطفي لبيب، عندما قالت الدكتورة والباحثة في علم الاجتماع، عزة كريم، إن فيلم "حين ميسرة" للمخرج خالد يوسف: "ساعد في انتشار ظاهرة التحرش الجنسي في مصر"..
هذا التناقض الصارخ، مابين داعٍ للعري إنقاذا للمجتمع من ظاهرة التحرش، وداع للاّعري، وأيضا انقاذا للمجتمع من ظاهرة التحرش، يؤكد بما لايدع مجالا للشك، أن علاج المسألة وقراءتها وتحليلها، لا يزال عفويا وحماسيا ومتناقضا. وأنه لايزال في إطار من الوعي الطوطمي المفرط، بدليل وجوده اللامعقول وانتقاله من النقيض الى النقيض، بدون أن يترك هذا التناقض أثره على الوعي الاجتماعي، وبدون أن يلتفت الناقد الى تلك الضراوة في حرب تعريف الدافع الجنسي ومظاهر مكبوتاته.
لطفي لبيب شريكاً لخالد يوسف
ماالذي ستفعله الشاشة العربية الآن؟ هل تستجيب لدعوة لطفي لبيب، وتضخ مزيدا من مشاهد العري؟ أم ستستجيب لدعوة الدكتورة عزة كريم، وتمنع عرض مشاهد العري؟ خصوصا أن الأخيرة وجهت اتهاما مباشرا لـ"حين ميسرة" بالمساعدة على زيادة ظاهرة التحرش الجنسي، مايجعل لطفي لبيب من المشمولين والمحسوبين المؤثرين في دعم الظاهرة وانتشارها ورواجها. مامن شأنه ان يربك الشاشة العربية ويضعها عرضة لأمزجة الدارسين وميول العاملين بقطاع الفن. هو الأمر ذاته في العبارة السينمائية الشهيرة التي تناقلتها الأجيال في قول إحدى الشخصيات: "أفتح الشباك ولاّ أسدّ الشبّاك"؟
أسدّ الشّبّاك ولاَّ أفتح الشّبّاك؟!
في السابق شهدت المرحلة الناصرية تحررا غير مسبوق في مايتعلق بمسائل العري والحريات العاطفية والتجارب الجنسية بصفة عامة، ولم يكن هناك أي حرج مثلا في ارتداء الألبسة المثيرة والقصيرة ومشاهد الإثارة، وغير ذلك مما أفرزته ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، تأثرا بـ"الثورة الجنسية" التي ضربت اوروبا أواخر الستينيات، من القرن الفائت، إلا أن هذا "التحرر الجنسي" في السينما، جاء معزولا عن سياقه الاجتماعي غير مرتبط بمجمل تحولات جوهرية تتصل بالحريات السياسية والحقوق المدنية وحرية الرأي، فانتكس هذا التحرر، وسقط بالضربة القاضية لأنه لم يكن جزءا من تحول اجتماعي جذري، بل كان ترفاً نخبويا مدعوما من سلطات ثورية، لا أكثر ولا أقل. وإلا لم قالت الدكتورة عزة كريم إن فيلم حين ميسرة يساعد في ظاهرة التحرش الجنسي؟ هذا يعني، حسب كلامها طبعا، أن أفلام التحرر الناصرية، بمجملها، مسؤولة عن التحرش الجنسي. وما ينطبق على خالد يوسف ينطبق على مرحلة ثورية بأكملها.
من لطفي لبيب، الى عزة كريم، أو العكس، الجسدُ هو الضحية، مرة في كشفه، وأخرى في إخفائه. مرة في استعماله وتوظيفه، ومرة في تسريحه من الخدمة. وفي الحالتين هاتين، سيظل السؤال السينمائي القديم يتردد على ألسنة المشاهدين: أسدّ الشبّاك، ولاَّ أفتح الشبّاك؟!