اقتصاديات أزمة المهاجرين في أوروبا

محمد العريان
محمد العريان
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

أثناء انطلاق قطارنا يوروستار من لندن خلال القنال إلى باريس، لم أستطع أن أتجنب التفكير في الآلاف من المهاجرين القابعين على جانبي القنال. مرة أخرى، النظم السياسية الوطنية والإقليمية تكافح للتعامل مع المأساة الإنسانية المتزايدة والآثار الجانبية لها تنطوي على تعطل التجارة. وهذا كله يقوم بتأجيج الأزمة السياسية.

واقتصاديات أزمة المهاجرين عبر القنال واضحة تماما، وتجري أساسا حول العرض والطلب والإخفاقات التنظيمية. كما تلقي الضوء على الحلول الممكنة، على الرغم من أنها سوف تستغرق بعض الوقت لتتحقق.

ويتغذى توريد المهاجرين إلى أوروبا عن طريق موجات من الناس الفارين من البؤس الاقتصادي والاجتماعي في بلدانهم - وفي بعض الحالات، من القمع السياسي والاضطهاد والعنف. وهم يفعلون ذلك أملا في مستقبل أفضل لأنفسهم ولأطفالهم. يتم الإغراء الذي يشعر به البعض للقيام بالمحاولة على طول الطريق إلى المملكة المتحدة، في كثير من الأحيان عبر مياه البحر العاتية ورحلة محفوفة عبر أوروبا الغربية، هذا الإغراء يتضخم بسبب جاذبية الاقتصاد الذي يتمتع بنسبة منخفضة من البطالة، والخدمات الاجتماعية الشاملة وبلد حيث يعرف الكثير من الناس بالأصل لغته.

وعلى الرغم من أن المعروض من المهاجرين قد زاد، إلا أن الطلب على العمالة المهاجرة قد ذهب في الاتجاه الآخر. القوانين الأكثر صرامة جعلت من الأصعب والأكثر خطورة على أرباب العمل توظيف العمال غير الشرعيين. ومع بلوغ معدل البطالة الأوروبية أكثر من 10 في المائة، تم تثبيط الطلب أكثر من ذلك.

وهذا الخلل بين العرض والطلب ليس أمرا يمكن تسويته من خلال آلية توازن عادية في الأسواق. أجور توازن السوق - أي الثمن الذي سوف يقلل من حافز الهجرة مع تسهيل امتصاص أولئك الذين لا يزالون يميلون إلى المخاطرة بحياتهم وأطرافهم - هي أقل بكثير من الحد الأدنى للأجور السائدة في أوروبا؛ وأي تخفيض ملموس في الأجور ينطوي على اختلالات اجتماعية كبيرة وغير مقبولة للسكان المحليين في أوروبا.

النظم التنظيمية ليست ذات فائدة كبيرة أيضا، حيث انها واقعة تحت الضغط على مراحل متعددة، ابتداء من بلدان المنشأ، إلى نقاط العبور والدخول إلى أوروبا، ومن ثم إلى وجهتها النهائية. وفي البلدان التي يستفيد فيها النظام الرقابي من وجود حواجز مادية - مثل القنال الإنجليزي - هناك علامات واضحة على مرأى الجميع لحرمان المهاجرين واليأس. في هذه العملية، تم تعطيل النقل البري لجميع أنواع السلع، مما تسبب في خسائر اقتصادية كبيرة. تتعفن المواد الغذائية على متن الشاحنات التي تنتظر عبور القنال. وتتعطل المركبات، مما يقوض سلاسل التوريد. وسائل النقل الخاصة، بما في ذلك السياحة، تعتبر عرضة للتأخير الطويل بسبب ازدحام الطرق ونقاط التفتيش الأمنية المتصاعدة. وحتى لو كان هناك استعداد، فإن شبكات الأمان الاجتماعي ضعيفة جدا على نحو لا يؤهلها للتعامل مع المآسي الإنسانية التي تحدث بها كل يوم.

وكل هذا يقوم بزيادة الضغوط على السياسيين لحل المشكلة. ومع ذلك لا تزال الحلول الفعالة تتهرب منهم، على الصعيدين الوطني والإقليمي.

وهذه ليست مشكلة سوف تزول في أي وقت قريب، ويعود ذلك إلى سبب بسيط يبعث على الاكتئاب: اقتصاديات هذا الوضع المأساوي تتطلب التوصل إلى حل تعاوني شامل، ولكن أفضل ما يمكن للنظام السياسي أن يأتي به هو نهج تدريجي، يقوم على تنسيق ضعيف. وهي نتيجة يمكن، في أحسن الأحوال، أن تخفف من بعض المشاكل؛ لكنها لن تحلها بطريقة حاسمة ودائمة.

وفي عالم مثالي، سيرافق النهج الوطني المجدد تعاون هادف، وليس فقط بين بلدان المقصد الأوروبية ولكن أيضا بينها وبين بلدان المنشأ وتلك التي من خلالها يتنقل المهاجرون غير الشرعيين. ولكن، للأسف وبشكل مأساوي، ربما يكون من غير العملي أن نتوقع هذه الإجراءات الجادة في عالم تكافح فيه أوروبا من أجل حل قضاياها الداخلية، بما في ذلك أزمة اليونان، في حين أن البلدان التي يهرب منها الكثير من المهاجرين تعتبر هشة، وحيث ان بعض الدول على وشك أن تصبح دولا فاشلة - إذا لم تكن قد أصبحت فاشلة بالفعل.

* نقلا عن صحيفة " اليوم "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط