الانتحار.. هروب من الحياة وليس حلاً

أحمد الحناكي
أحمد الحناكي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

لدي قاعدة مهمة جداً وهي أن لا أجادل فيما لا أفهم أو في غير تخصصي إلا في العموميات كالخير والشر والسياسة والدين وغيره، ومن ثم فقراءتي للبحث المنشور لعضو مجلس الشورى أستاذة علم النفس في جامعة نورة الدكتورة لطيفة الشعلان (الانتحار في إطار الكمالية واليأس والدعم الاجتماعي والمعنى المعرفي للموت (نموذج تفاعلي لحالة الروائي والشاعر الأردني المنتحر تيسير سبول) كانت

مجرد تطرق لمجهول؛ رغبة في الاطلاع أو الفضول أو الاستزادة؛ ولاسيما أن موضوع الانتحار بشكل عام يثير الخوف والألم والحزن لدى جميع من يرتبط بصاحب الحالة.

الواقع أن الدكتورة قد سردت الحالة بأسلوب سلس، من دون أن تخدش المعايير الأكاديمية، وبرأيي أنها نجحت بشكل مبهر. (لطيفة الشعلان متوقفة موقتاً عن الكتابة منذ سنوات بعد أن كانت لها مقالة أسبوعية مميزة وذات صدى عربي لافت في الصفحة الأخيرة من مجلة «المجلة»، ومن ثم لا غرابة في الجمع ما بين البحث الأكاديمي الجاد واللغة الأدبية الرفيعة).

كان البحث بحسب ما قدمته الدكتورة يناقش الأسباب التي أدت إلى انتحار الشاعر في السبعينات ومفندة الأسباب الثلاثة الرئيسة واحداً تلو الآخر. باستعراض السبب الأهم الذي تم تداوله بقوة من أنه انتحر بسبب صدمته واكتئابه من اتفاقية «الكيلو 101» مع الكيان المحتل، وهي تلك التي تلت «حرب 6 أكتوبر»، تيقن تماماً أنه ضعيف، ففضلاً عما ذكرته الدكتورة الشعلان من أن تيسير قد مر بصدمات أكبر بكثير، كنكسة 1967، وكذلك أيلول الأسود والانفصال المصري-السوري فإن اتفاقية 101 كانت بعد انتصار مصري-عربي أي أن الانتصار لم يكن ساحقاً، ولكنه على أي حال أفضل من الكوارث السابقة من دون جدال.

العامل الثاني أن هناك مرضاً في عينه أثبتت الباحثة أن التقارير كانت توحي بالثقة في شفائه، كما أنه كان يستطيع الانتظار فيما لو كان هناك خطورة إلى اللحظات التي يفقد فيها الأمل ومن ثم ينتحر. الحديث عن أن هناك مشكلات زوجية فندته الشعلان بكون علاقته مع زوجته أتت بعد محاولة انتحار فاشلة لقصة حب فاشلة مع امرأة أخرى، ومن ثم فالاستعداد للانتحار كان موجوداً في الأصل، فضلاً عن أن هناك تناغماً بينهما بحكم أنها كانت أديبة أيضاً وتزوجا عن سابق معرفة، كما أن الأمر قد يكون أقرب إلى المنطق لو أن العكس هو الصحيح، أي أن المرأة هي من انتحرت بسبب علاقة تعيسة كون الطلاق أو الانفصال أو حتى عدم احترام العلاقة الزوجية أصعب في مجتمعاتنا على المرأة بكثير منها عن الرجل، فلا خيار لديها تقريباً، فلديه خيارات كثيرة للتصرف بعكس المرأة، كما أن المنتحر عادة يتخلص من حياته إذا فشل في الحصول على حبيبته وليس إذا حدثت مشكلات بينهم.

إضافة إلى ما سبق أتساءل: لما لم يترك الشاعر رسالة يوضح فيها أسباب انتحاره؟ أعتقد أن ذلك يؤكد ما استنتجته الشعلان من أن السبب وهو ما كان يصعب قوله في رسالة، أي أن المعنى هو هذا الهوس بالكمال والعشق له والمبالغة بذلك (شرحت الشعلان باستفاضة أنه على رغم تميزه وإبداعه كان يطمح إلى المستحيل، على الأقل من وجهة نظره).

تلخيصي للبحث لا يعدو كونه تأكيداً وتعزيزاً لنتائج الباحثة، أما عن تداول التبريرات غير الحقيقية فيعود من وجهة نظر خاصة -وهي لا تخرج عموماً عن وجهة نظر الباحثة- إلى أسباب عدة، منها أن كثيراً من محبيه يريدون أن تكون صورة البطل والمناضل ملتصقة بالشاعر المثقف القومي مع أن الانتحار يسيء إلى هذه السيرة، فهو هروب لا يليق بالبطل الذي يجب أن يكرس كل حياته حتى اللحظة الأخيرة في النضال والكفاح لا بطلقة بالرأس تنهيها في ثوانٍ.

من الواضح أن هناك تقارباً أو تشابهاً بين حالة الشاعر الأردني والشاعر اللبناني الشيوعي خليل حاوي الذي كان سبب انتحاره احتجاجاً منه على اجتياح العدو المحتل للبنان، بينما عزا القريبون أو المتابعون للأمر كحبيبته القاصة العراقية ديزي الأمير أو مقالة عبده وازن في «ديوان العرب» في 13 حزيران (يونيو) 2007، إلى مسببات كثيرة عانى منها، بينما الخيبة السياسية جزء من هذه الأسباب، وكلاهما أي القومي والشيوعي يرد في ثقافتهم النضالية الميل إلى العنف والشراسة التي تعبر عن شخصية قوية، وليست ضعيفة تلجأ إلى الانتحار إلا لسبب غير سياسي، وهم بذلك يختلفون عن الإسلاميين المتطرفين الذين يلجأون أحياناً إلى ذلك، ولكن لأسباب واضحة، وهي إما مقاومة المحتل أو -للأسف الشديد- للإرهاب والتدمير ومحاولة تفتيت الأوطان في ظل عقلية غيبية متخلفة ومنحطة.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط