في أجواء القلق والشكوك حول المستجدات ينبغي الإمعان بالحقائق والابتعاد عن الانطباعات، ثم تطوير سيناريوهات تغطي ما يمكن ان يحدث مع التركيز على سيناريو الأساس حتى يتم التخطيط على أسس سليمه.
بلا شك جاء تأثير هبوط اسعار النفط إيجاباً في تحفيز معدلات تنامي الطلب العالمي على النفط ، وهو أمر تؤكده كل التوقعات وآخرها تقديرات سكرتارية منظمه الاوبك فقد دللت تعافي معدل تنامي الطلب على النفط من ٩٠٠ الف برميل يومياً خلال عام ٢٠١٤ ، ثم الي ١.٥ مليون برميل يومياً خلال عام ٢٠١٥ ، ثم الي ١.٣ مليون برميل يومياً في عام ٢٠١٦ ، وبالتالي مسيرة التعافي واضحة ، ولكن ربما الوتيرة تكون اقل في المستقبل وسط شكوك تدور حول اداء الصين ، وهو عموماً مؤشر ايجابي للسوق النفطية ، ودليل على حقيقه تحرك في اتجاه توازن السوق النفطية.
كما يتفق المراقبون أن هناك خفض فعلي في معدل تنامي الإمدادات من خارج الاوبك ، حيث انخفض معدل التنامي من ٢.٤ مليون برميل يومياً في عام ٢٠١٤ ، الي ١ مليون برميل يومياً في عام ٢٠١٥ ، الي فقط ٤٠٠ الف برميل يوميا في ٢٠١٦ وهو ما يعني خفض فعلي في الفائض ، وهذا لا يشمل فقط انتاج النفط الصخري والذي بدأ يشهد انخفاضاً كما تثبته تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية ، بل يمتد للنفوط اخري ، مع انخفاض مشهود وملحوظ في نشاط الحفر في كثير من مناحي العالم ، وهو ما يؤكد أيضاً ان السوق تتجه نحو التوازن ، كما يؤكد ان الطلب على نفط الاوبك في ارتفاع ، كما يشير الي ان السوق يتهيأ لاستيعاب النفط الايراني خصوصا اذا كانت بالتدرج ، وتكون عودتها تتناسب واحتياجات السوق النفطية ، وهي أمور تحمل في طياتها ان عام ٢٠١٦ ربما يكون عاماً يتحقق فيه التوازن ، كما يتوقع عدد من المراقبين خلال الربع الرابع من عام ٢٠١٦ ، وتكون مستويات الاسعار افضل مما كانت عليه في ٢٠١٥ ولا يتوقع احد ان ذلك يعني قفزه في الاسعار ولكن تعافي.
الحقيقة الثالثة ان انتاج الاوبك في ارتفاع، فقد ارتفع ليصل الي ٣١.٥ مليون برميل يوميا خلال الأشهر الأربع الأخيرة، وهو مؤشر على وجود طلب على النفط سواء كان لاستيعاب طلب حقيقي او طلب بغرض بناء المخزون الاستراتيجي، وايضاً حقيقة ان اوبك تتوسع في اسواقها، وتحاول المحافظة عليها من خلال انتهاج تسعير شهري، حسب اساسيات السوق، يخفض اسعار نفوطها لصالح تحفيز الطلب عند المصافي خصوصاً الأسيوية التي تمثل ملاذاً آمنا للنفط الخليجي.
الحقيقة الرابعة ان هناك مشاريع مستقبليه كثيره يقدر قيمتها البعض ب ٢٠٠ مليار دولار امريكي تم ايقافها او تأجيلها خلال عام 2015 ، وهي تمثل مشاريع تطوير نفط جديد الإيفاء باحتياجات تنامي الطلب في المستقبل ، وتشمل النفوط الغير تقليدية والنفوط التقليدية الصعبة في المياه العميقة ، وهذه بلا شك سيكون لها تأثير على القدرة على توفير نفط جديد في المستقبل خصوصا اذا ما افترضنا ايضا وجود استنزاف او انحدار طبيعي في الانتاج الحالي في انتاج الحقول الحالية في العالم يقدره البعض ٤٪ واخرون ٦٪ ، واستمرار تعافي الطلب العالمي على النفط ، وهذا سيكون له تأثير على دعم اسعار النفط بشكل ايجابي ، وهو امر لا اجد ادبيات مهنيه او تحاليل تناقش هذا التطور رغم تأثيراته الحتمية على مسار السوق في المستقبل ، كما يجب ان لا نغفل أن من الامور التي أسهمت في دعم الاسعار خلال ٢٠١٠ - ٢٠١٤ كانت انقطاع إمدادات النفط بسبب عوامل جيوسياسية وعليه فان عدم كفاية الاستثمار في الإمدادات من خارج الاوبك قد يعني عدم كفاية الإمدادات في السوق في المستقبل.
الحقيقة الخامسة ، أن ضعف اسعار النفط قد أثًّر ويؤثر في قرارات الاستثمار بأنواعها ولا يقتصر الامر فقط على النفط بل أيضاً على مصادر الطاقة الاخرى ، رغم انتهاج الشركات النفطية عموماً سياسات مفادها خفض التكاليف ورفع كفاءه الحفر وإنتاجيه البئر والاستغناء عن العمالة والتركيز على أماكن واعده في الانتاج الا ان استمرار اسعار النفط عند المستويات الحالية ، عند مستويات دون ٥٠ دولار من الصعب استمراره من دون تأثيرات اكبر على الإمدادات ، خصوصا اذا اخذنا بالاعتبار بعض التوقعات ان السوق يحتاج اسعار عند مستويات ٧٥ دولار للبرميل بحلول عام ٢٠١٧ - ٢٠١٨ من اجل ضمان عوده لارتفاع النفط من خارج الاوبك خصوصا النفوط الغالية الكلفة مثل النفط الصخري.
الحقيقة السادسة أنّ هناك وفره في الاحتياطي العالمي للنفط لا ينكرها الا جاهل ، ولكن من اجل تطوير الاحتياطي تحتاج الي مستويات اسعار نفط خام الإشارة تستمر تدور حول ٥٥ - ٦٥ دولار للبرميل كحد أدني ، وهو أيضا مؤشر لضرورة تعافي اسعار النفط ، رغم ان هناك من يسوق ان اسعار النفط ربما تظل ضعيفة خلال ١٥ عاما القادمة بحجه ارتفاع المعروض من دون تفكير في جدية انخفاض في كفاية المعروض ، والبعض يذهب الي أنها قد تهبط الي ٢٠ دولار للبرميل ، وأجدها مستبعده بحكم ان النفط والوقود الأحفوري عموما والطاقة يحتاجها العالم ، وهبوط كبير في الاسعار لا يساعد في كفاية المعروض من الامدادات ، و ربما يؤثر على انتاج النفوط التقليدية وهو ما ينفي حدوث او الحاق مصداقيه لتلك الدعاوي والتي لا اجدها الا انها تدخل في الوصول الي قاع للأسعار لتبدأ مرحله التعافي او فقط خلق مخاوف في السوق ينشط معها نشاط المضاربين ، وبلا شك اسعار متدنية واستمرارها يؤثر في الميزانيات والإيرادات وتمويل المشاريع.
الحقيقة السابعة رغم مسئوليه أمن الإمدادات بالسوق واستقراره هي مسئوليه المنتجين عموما بلا استثناء، ولكن المستجدات تفرض اهميه منظومه الاوبك في أمن واستقرار الاسواق وانه دوراً متناميا وليس دوراً متضائلاً كما يصوره البعض، بل اوبك منظمه مهمه مسئوله في تصرفاتها تجاه السوق بكل نضوج ومهنية ووجودها ضرورة لا يمكن تخيل السوق من دونها، ولكن هناك مستجدات تفرض تعاون مسئول والتزام من عموم المنتجين لإعادة التوازن للسوق النفطية.
الحقيقة الثامنة الأجواء الحالية يجب ان تكون حافزا نحو سياسات اصلاحيه تشمل مراجعه مهنيه لسياسات الدعم ، ودور متنامي مسئول من دون الاعتماد على الدعم من الحكومة للقطاع الخاص ، تنويع مصادر الدخل والتوسع في الصناعات ، تأهيل وتحفيز انتاجيه المواطن بعيدا عن الاتكالية وقد يعني مراجعه شامله ، فتح الباب امام الاستفادة من الاستثمارات الأجنبية والخبرات الفنية من الشركات الأجنبية ، تشجيع قطاع البحث والتطوير والتكنولوجيا ، تطوير صناعه متكاملة تقوم على تطبيقات الطاقة الشمسية ، تحفيز سياسه ترشيد الاستهلاك بأنواعه ورفع كفاءه استخدام الطاقة للحكومة والمواطن في المباني والمصانع ، تفنين التكاليف والمصاريف ، تشجيع العمل كفريق واحد لتحقيق مشاريع الدول المنتجة للنفط التنموية بشكل فاعل بعيدا عن الاناه والعمل الفردي والذي يثبت انه يظل عائقاً ومانعاً ، استهداف تأهيل وبناء كوادر وطنيه بشكل جاد وحقيقي.
الحقيقة التاسعة ان اسعار المائة دولار للبرميل ان كان لها عوده فتوقيتها بعد ٢٠٢٠ وتبقى الاسعار ضعيفة ولكن السمة الأساسية في السوق خلال الفترة القادمة هي التذبذب والتقلب، وذلك في ضوء توقع عوده إيران للسوق النفطية، وعوده ليبيا للإنتاج بصوره أكثر ثباتا، واستمرار ارتفاع الانتاج لعدد من البلدان المنتجة للنفط، وتوقعات عوده لارتفاع الطاقة الإنتاجية للنفط التي تمتلكها الاوبك والغير مستغله لتلعب دوراً في مسار اسعار النفط.
الحقيقة العاشرة أنه بالرغم من الحديث عن بناء كبير في المخزون النفطي في العالم، الا أنه فعلياً باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية، والتي يسجل فيها المخزون مستويات كبيره، ولذلك يحتاج السوق مراقبه المخزون في أماكن اخرى في العالم للتأكد من صحه ومصداقية تقديرات التوقعات ، والتي أجد فيها مبالغة خصوصا في مجال الإمدادات من خارج الاوبك.
تظل هناك مستجدات تظل في قائمه الامور التي يتابعها السوق لمزيداً من التيقن وهي عوده النفط الايراني والوضع في الصين ومستوى المخزون النفطي العالمي، ومنحنى الاسعار في المستقبل، وحاله اسعار نفوط الإشارة وعمقها سواء الكونتانغو او الباكور يشين.
-
- مباشر