إذا ما كانت أزمة النفايات في لبنان قد كشفت عجز الدولة عن حل هذه الأزمة وتراجع قدرتها عن اجتراح الحلول، لأسباب ذاتية تتعلق بالسلطة من ناحية، وغلبة الطائفية والمحاصصة السياسية من ناحية أخرى، إلا أن عودة الأزمة إلى نقطة الصفر بعد فشل كل مشاريع الحلول التي برزت في الأسبوع الأخير، وبعد مرور نحو 120 يوماً على بدئها، كشفت حقيقة جديدة قد يكون لها تأثير على الأحجام السياسية في توزيع موازين القوى داخل التركيبة اللبنانية.
فبعد إعلان حزب الله وحركة أمل عن نيتهما تقديم المساعدة الجدية في حل أزمة النفايات، وبعد الاجتماعات المكوكية التي عقدها ممثلون عن الفرقين مع المسؤولين على هذا الملف، خاصة الوزير أكرم شهيب، أُعلن عن تسهيلات قدمها حزب الله في المناطق الخاضعة لسيطرته في جنوب لبنان لتأمين مطامر للنفايات تساعد على إطلاق آلية عملية لحل الأزمة في كل البلد، وتساعد في دفع الأطراف الأخرى إلى التعجيل في حسم موقفها من المطامر المقترحة في مناطقها.
وكشفت الحقيقة، التي ظهرت في اليومين الأخيرين، أن حزب الله لم يستطع تحميل موقفه وفرضه على البلديات التي تعتبر تابعة له في مناطق الجنوب خاصة منطقة النبطية. فبعد أن قدم اقتراحاً أمام اللجنة الوزارية بتأمين مطمر للنفايات في بلدة الكفور غرب مدينة النبطية، والتي تحتضن معملاً لفرز ومعالجة النفايات أيضاً، تم بناؤه بإشراف من حركة أمل، وبالتعاون بين اتحاد بلديات النبطية والاتحاد الأوروبي، خرج أهالي هذه البلدة للإعلان عن رفضهم تحويل الأراضي المحيطة بالقرية إلى مطمر للنفايات على حساب صحتهم ونظافة بيئتهم، ما ساهم في عرقلة مشروع إطلاق عملية حل الأزمة، وبالتالي كشف تراجع قبضة حزب الله ومعه حركة أمل في فرض إرادتهما على أهالي الجنوب ومصادرة قرارتهم.
ولم تقتصر الصدمة في الموقف الشعبي ضد توجهات حزب الله على موقف أهالي بلدة الكفور، بل جاءت أيضاً من الجنوب، حيث رفض أهالي بلدات انصار وبصفور ومحيطهما تحويل الأراضي التابعة لهم إلى مطامر للنفايات. وبالتالي فشل الفريقان في فرض حلولهما على أهالي الجنوب.
لعل الموقف الذي صدر عن حليف حزب الله وشكل صدمة لكل مساعيه للظهور بأنه القادر على تقديم الحلول في مختلف الأزمات، جاء هذه المرة من حليفه زعيم الحزب الديمقراطي، طلال ارسلان، عندما رفض، وبغطاء من اتحادات بلديات الشوفيات جنوب العاصمة بيروت، إنشاء مطمر للنفايات في منطقة الكوستابرافا إلى الغرب من مطار بيروت على الطريق الساحلي باتجاه الجنوب، وهي أرض تابعة عقارياً لبلدية الشوفيات، على الرغم من كل الاتصالات التي جرت معه ومع البلديات المعنية للحصول على موافقتهم في إنشاء هذا المطمر الذي يستخدمه حزب الله حالياً، وبقوة الأمر الواقع، كمطمر لنفايات الضاحية الجنوبية.
مشاريع الحل التي حملها وزير الزراعة إلى مجلس الوزراء وجال بها على كل الأطراف السياسية اللبنانية باءت بالفشل، وعادت إلى نقطة الصفر. مما دفع رئيس مجلس النواب، نبيه بري، إلى التعبير عن امتعاضه بشكل علني خلال لقاء الأربعاء النيابي. كما قال إن "مشكلة النفايات أصبحت مهزلة ولا يجوز أن تستمر الأزمة أسيرة المناكفات والتجاذبات المناطقية بأي شكل من الأشكال".
تراجع فرص حل مشكلة النفايات، أعاد الحديث إلى إمكانية العودة لمشروع تصديرها إلى الخارج، وهو ما لمح له طلال ارسلان عند إعلانه عن رفضه ورفض بلدية الشوفيات لإنشاء مطمر الكوستابرافا.
ثم عاد وزير البيئة محمد المشنوق للحديث عن "ترحيل" النفايات إلى الخارج بعد فشل الحل الداخلي، كاشفاً عن وجود 760 مكباً للنفايات غير صحي منتشرة في كل مناطق لبنان. وأوضح المشنوق: "لم نجد مطامر في كل لبنان لكننا وجدنا أكثر من 760 مكباً يفتخر اللبنانيون، حيث هم، بأنهم يستعملونها ويرفضون مطامر صحية.
وهذا معيب بحقنا كبلد وكمواطنين. البلد اليوم لم يجد مطامر مع الأسف. وقد أحيلت الأمور إلى كل أنواع المعالجات". كذلك كشف أن الخطط المطروحة لحل هذه الأزمة "تصطدم الآن بأن كل القوى السياسية لم تستطع أن تجد مطمراً واحداً يمكن أن يؤدي إلى إطلاق عملية معالجة النفايات الصلبة في البلاد. ويبدأ مجدداً البحث في كيفية الترحيل، ونحمل العالم نفاياتنا ولا نستطيع أن نعالجها كما يجب".