أعادت الاحتجاجات المستمرة في إقليم أذربيجان شمال غربي إيران، للتنديد بإهانة القومية التركية من قبل التلفزيون الرسمي، قضية القوميات في إيران إلى الواجهة، حيث تتصاعد مطالب هذه الشعوب التي تشكل أكثر من نصف سكان البلاد وتنذر بعواقب قد تصل إلى تفكك البلاد في حال عدم منح الحقوق الأساسية لهذه القوميات، حسبما يقول مراقبون للشأن الإيراني.
وتطفو قضية القوميات المهمشة في إيران على السطح بين الفينة والأخرى، حيث تشتعل شرارتها من خلال أحداث ومواقف صغيرة تؤدي إلى اندلاع احتجاجات ثم تمتد وتتوسع لتشمل المطالبة بكامل الحقوق، تتمثل في الاعتراف بالهوية القومية لهذه الشعوب وإشراكها في إدارة الدولة ومنحها صلاحيات لامركزية في الأقاليم التي تقطنها. كما أنها تطالب بإنهاء سياسة "المركزية المطلقة للدولة" القابضة على السلطة والثروة والتي تمارس سياسة اسكات مطالب الشعوب بالقبضة الحديدية.
وأبرز المكونات القومية في إيران هي 5 شعوب من القوميات غير الفارسية، وهم: الأتراك في أذربيجان والأكراد في كردستان والعرب في الأهواز (عربستان) والبلوش في بلوشستان والتركمان في إقليم تركمان صحراء، كما أن هناك أقليات اثنية صغيرة كاللور والبختيارية والطالش والغيلك والمازندرانيين وغيرهم. وتشكل هذه القوميات والشعوب مجتمعة، حوالي 65% من السكان وبإمكانها أن تلعب دورا مصيريا في مستقبل بقاء أو عدم بقاء إيران كدولة أو ككيان إمبراطوري في منطقة الشرق الأوسط.
ومنذ وصول الشاه رضا بهلوي استأثر الفرس بالسلطة السياسية والثقافية واللغوية في إيران، وتم حرمان الشعوب الأخرى من أبسط حقوقها ومازالوا معرضين للدمج القسري والانصهار وذوبان هويتهم.
يذكر أن احتجاجات الأتراك الآذريين لا تزال مستمرة في مناطقهم وامتدت إلى طهران وقم (العاصمة الدينية) حيث يعيش مئات الآلاف منهم في هاتين المدينتين أيضا.
وسبق تحرك الأتراك حملة احتجاجية للأهوازيين، للتنديد بإهانة العرب على التلفزيون الايراني الرسمي، إثر حادثة تدافع منى التي حاولت إيران استغلالها سياسيا وبث خطاب الكراهية وتعبئة الشارع الايراني ضد العرب والمملكة العربية السعودية من خلال إثارة النزعة العنصرية الفارسية المعادية للعرب في إيران.
كما شهد إقليما كردستان غربا وبلوشستان شرقا، احتجاجات مماثلة خلال الأشهر الماضية، الأولى كانت احتجاجا على مقتل فتاة كردية بمدينة مهاباد والتي ألقت بنفسها من شباك فندق كانت تعمل به وذلك هربا من موظف في الأمن السياحي حاول اغتصابها. أما احتجاجات بلوشستان فجاءت على عدة مراحل وفي مدن مختلفة احتجاجاً على الإعدامات والاعتقالات المتواصلة ضد نشطاء البلوش ومضايقة طلاب المدارس الدينية لأهل السنة.
وتأتي الاحتجاجات الحالية استمرارا لانتفاضات عديدة حدثت خلال السنوات الأخيرة في المناطق القومية، وبدأت من الأهواز في عام 2005 في شهر أبريل، ضد سياسة التغيير الديمغرافي والتهجير ومصادرة أرضي المواطنين العرب. وتلتها انتفاضة الشعب الكردي في شهري يوليو وأغسطس من ذلك العام، احتجاجا على مقتل ناشط كردي تحت العذيب من قبل عناصر الاستخبارات.
كما اندلعت انتفاضة أخرى في أذربيجان في يونيو 2006 احتجاجا على كاريكاتير في جريدة "إيران" الحكومية يسخر من القومية التركية. وسقط خلال هذه الانتفاضات العديد من أبناء هذه الشعوب بين قتيل وجريح ومعتقل ومازال العديد من النشطاء خلف القضبان، كما اعدم العديد من السجناء أغلبهم من العرب والأكراد والبلوش.
ولم تشارك القوميات في انتفاضة "الحركة الخضراء" في العام 2009 بقيادة ميرحسين موسوي ومهدي كروبي، وبقي الشعب الفارسي في طهران واصفهان وشيراز وحده في تلك الانتفاضة، حيث قال محللون إن عدم مشاركة الشعوب غير الفارسية في تلك الانتفاضة كان أحد أسباب فشلها، وذلك لأن الانتفاضة لم تطرح مشروعا يمكن أن يلبي مطالبهم أو جزءا منها على الأقل.
وخلال حقبة أحمدي نجاد حدثت احتجاجات واسعة في مناطق القوميات، خاصة مع بداية الربيع العربي حيث شهدت الأهواز ومناطق أخرى مسيرات شعبية قمعت بالقوة المفرطة.
وكان الرئيس الإيراني حسن روحاني قد رفع شعار تحقيق جزء من مطالب القوميات أثناء حملته الانتخابية وحصد غالبية الاصوات في إقليمي أذربيجان وبلوشستان ونسب أقل من أصوات الناخبين في كردستان والأهواز.
وبعد وصوله للسلطة، أنشأ مكتبا لشؤون القوميات والأقليات الدينية من أجل تطبيق وعوده الانتخابية إزاء حقوق القوميات والأقليات في البلاد، وقد كلّف علي يونسي الوزير الأسبق للاستخبارات لإدارة هذا الملف. غير أن يونسي أعلن عن فشل الحكومة في إسناد أي منصب قيادي لأبناء القوميات وعزا ذلك إلى سيطرة النظرة الأمنية المهيمنة على عقلية رجال الحكم في طهران.
ويقول نشطاء القوميات إن استمرار الحرمان والتهميش ينذر بانفجار قريب في ظل التغيرات الحاصلة في المنطقة، ما لم تعمل الحكومة على إيجاد حلول جذرية لأزمة القوميات في إيران.
ويصل التمييز ضد القوميات إلى حد معارضة كبار مسؤولي النظام تدريس لغة الأم لهذه الشعوب ويحذرون من أن منح الحقوق الثقافية يهدد بتفكك البلاد. ويجتمع الإسلاميون المحافظون والقوميون الفرس وحتى بعض اليساريين ( في صفوف المعارضة) في جبهة واحدة ضد تطبيق المادة 15 من الدستور الإيراني المعطلة منذ انتصار ثورة 1979 والتي تنص على السماح باستعمال اللغات المحلية والقومية الأخرى في مجال الصحافة ووسائل الإعلام العامة، وتدريس آدابها في المدارس إلى جانب اللغة الفارسية التي هي اللغة الرسمية الوحيدة في البلاد.
وتنقسم مشاريع التنظيمات السياسية التابعة للقوميات غير الفارسية في إيران حاليا بين الانفصال وتشكيل دول قومية مستقلة، وبين مطلب الفدرالية، التي تمنح الاقاليم تشكيل حكومات وبرلمانات ومؤسسات حكم محلية تمكن القوميات من حكم نفسها بنفسها ويرهنون ذلك بإسقاط نظام ولاية الفقيه واستبدال نظام الجمهورية الإسلامية بنظام ديمقراطي فيدرالي يعترف بالتعدد العرقي والديني والثقافي في إيران.
ويبدو أن الاتجاه الفيدرالي هو الأكثر قبولا في إيران وأقرب إلى الواقع من الناحية التطبيقية، نظرا للظروف الداخلية والاقليمية والدولية، رغم معارضة التيارات الملكية والقومية الفارسية. واستطاع 18 تنظيما من العرب والأكراد والاتراك والبلوش والتركمان والبختيارية، تشكيل ائتلاف واسع سمي بـ "مؤتمر شعوب إيران الفيدرالية" منذ عام 2005.
وتدفع حملة القمع العنيفة التي تمارسها الدولة المركزية بواسطة الأجهزة الأمنية والحرس الثوري نحو الراديكالية وردود الفعل غير المتوقعة من قبل حراك القوميات، في ظل محاولات السلطة جر الاحتجاجات السلمية نحو العنف لتبرير القمع، كما يقول محللون مختصون بشؤون القوميات في إيران.