الشاب السعودي الشغوف بالقراءة والأدب لم يعد بانتظار ما تقدمه الجهات المعنية أو المحافل الثقافية من إنتاجيات إبداعية، صار هو بنفسه يقوم بكل ذلك: يقرأ، يترجم، يكتب، ثم ينشر لأولئك الذين ينتظرون بحماس كلمة جميلة أو نصا ينقلهم للعالم الذي يحلمون به، ذلك العالم المليء بالورود والقصص الوديعة.
ذلك الشاب الذي بالكاد يتجاوز سنه العشرين عاماً لم يعد ينتظر من يقدم له الدعم المالي، صار وجود اتصال جيد بالإنترنت ولغة ثانية يجيدها عن ظهر حب كفيلين بصناعة أعلى قائمة من الدعم الذي يتمناه.
الشاب محمد الضبع الذي انشغل بالترجمة الإبداعية منذ سنوات يقول ذلك أيضا، بعد أن يتساءل بنفس العمق الذي يتساءل به الكثيرون: "ما الذي يدفع بشاب خرج للتو من محاضرته في الجامعة، للجلوس وحيدا مع جهازه المحمول في المكتبة ليتصفح آخر المقالات الصادرة من أشهر المجلات الأدبية العالمية يوميا؟".
ويختزل محمد الإجابة التي توصل إليها بقوله: "إنه يتعامل مع الأمر وكأنه وظيفة، ولكنها وظيفة دون مقابل. لم يعطه أحدٌ وعدا بمقابل مادي، حين قرر أن يتصفح عشرات المواقع يوميا، ويدخل إلى موقع أمازون ليطلب عددا من الكتب التي ستشغل عالمه خلال الأشهر القادمة، والتي سيترجم منها أجمل ما فيها ليهديه للقارئ العربي على مدونته أو على موقعه الشخصي. إنه الشغف باللغة، والشغف برحلة الأفكار من بلاد إلى بلاد أخرى بعيدة.
هذه المعجزة التي تتشكل على يد شاب منبهر بسحر المعرفة، وقدرة الكتاب على السفر بين الأزمنة والقارات دون إحساس بالثقل، حسب الضبع. وفي المقابل يقف العديد من المؤسسات الحكومية، ودور النشر، على جانب المشهد، حيث توضع الميزانيات الكبرى لمشاريع الترجمة، ثم نكتشف أن جهد هؤلاء الشباب أكثر قيمة، كماً وكيفاً، وأنهم استطاعوا تحقيق ذلك دون توفر أدنى الموارد الممكنة التي تملكها الجهات الرسمية المخولة بإثراء المحتوى العربي. تعقد المؤتمرات، وتطرح التوصيات، دون فائدة تذكر"، مختتماً كل ذلك بقوله: بعد أن كنا بحاجة إلى مبنى كامل لجريدة أو قناة تلفزيونية، أصبحنا بحاجة لجهاز هاتف محمول به كاميرا تستطيع التسجيل، لتصبح عبارة عن قناة تلفزيونية متنقلة.
أظن أن كل ما يحتاجه الشاب المعاصر اليوم ليضاهي أكبر المؤسسات، هو جهازه المحمول، اتصال جيد بالإنترنت، والكثير من الشغف. وصدقوني حين أقول إنه لن يستطيع منافسته أحد".
وحول إن كانت تلك الجهود الشبابية في مجال الترجمة الإبداعية قامت كردة فعل تجاه كسل الجهات المعنية يذكر راضي النماصي المترجم السعودي، والذي يعمل في مجال البتروكيمياويات بـأن حركة الترجمة الشبابية يجب أن لا تؤخذ بهذه الرؤية الضيقة، بل بوصفها كجهد فردي في مجال إبداعي للتعريف بأسماء ونصوص عالمية جديدة وإدخالها لسوق النشر والقراءة محلياً.
عبدالله الزماي أحد المترجمين الشباب، الذي شكرته الأديبة العالمية إيزابيل الليندي نظير الجهود الذي قام بها في تعريف العرب بمذكراتها اليومية، تلك المذكرات المليئة بالصراخ حول الإنسانية المهزومة، بالحب الواسع الذي تتمنى للبشر أن يعيشوه في جميع حدودهم الجغرافية.
الزماي تحدث عن الترجمة بوصفها أعمق أشكال التواصل الإنساني، حيث تجمع بين شخصين مختلفين ظاهريا من حيث الثقافة واللغة والمكان وتوحد بينهما فكريا وروحيا في فضاء النص المترجم.
وعما تقدمه المؤسسات الثقافية عن دعم تلك الجهود الفردية يجيب الزماي، بقوله: لم يكن لها أي دور وفي الحقيقة لا أعرف تحديدا ما الدور الذي يمكنهم القيام به في مثل هذه الحالة، ربما أن على المؤسسة مثلا أن تقوم بدعمهم وتنظيم عملهم وتوجيهه حين يكون هناك "مشروع" على مستوى الوطن أو ما شابه ذلك، في النهاية هذا عمل ناتج عن رغبة شخصية وشغف شخصي ويمثلني وحدي دون سواي على كل حال لست وحدي من يمارس هذه الأعمال فمثلي الكثير من الشباب والفتيات!".