انعقدت آخر مناظرة بين المرشحين الجمهوريين، قبل أول انتخابات حزبية تمهيدية يوم الاثنين المقبل في ولاية آيوا، دون مشاركة المرشح دونالد ترامب المتقدم في استطلاعات الرأي، بسبب خلافه مع شبكة التلفزيون فوكس التي رعت ونظمت المناظرة، واتهم ترامب الشبكة بإساءة معاملته.
ولكن ترامب نجح كما توقع هو وغيره من المعلقين، وكان الحاضر الغائب في المناظرة التي لم يهيمن عليها أي مرشح كما كان يفعل ترامب في المناظرات السابقة بأجوبته أو مقترحاته المثيرة للجدل، أو الصدمة أو بتفننه في توجيه الإهانات لفئات معينة داخل أو خارج البلاد، أو بتلذذه بتعذيب وتحقير منافسيه.
انسحاب ترامب من المناظرة كان آخر موقف مثير للجدل يتخذه هذا المرشح الذي انتهك سلوكه خلال الأشهر الستة الماضية جميع المقاييس والأعراف المعمول بها في الانتخابات الحزبية التمهيدية، ومن بينها تحدي قيادة الحزب، وإهانة رموزه - مثل تهجمه على السيناتور وأسير الحرب السابق جون ماكين- إضافة إلى مواقفه السلبية من النساء والأقليات والمهاجرين والمسلمين. وكان المعلقون وقادة الحزب يتنبأون بانهيار حملة ترامب بعد ارتكابه لكل "فظاعة"، ولكنه كان يعود منها أقوى مما كان عليه.
وليس سهلا على أي مرشح جمهوري تحدي مؤسسة إعلامية صخمة، مثل فوكس تمثل المحافظين واليمين السياسي دون أن يدفع ثمنا باهظا لذلك. ولكن يبدو أن ترامب، الذي نظم مهرجانا انتخابيا قريبا من قاعة المناظرة في الوقت ذاته لكي يسرق الأضواء الإعلامية، يبدو أنه قرأ بدقة مواقف الناخبين، وتحديدا مواقف مؤيديه.
وساءت علاقات ترامب بشبكة فوكس قبل حوالي 6 أشهر خلال المناظرة الأولى حين طرحت عليه الإعلامية ومقدمة البرامج المعروفة ماغين كيلي سؤالا محرجا عن مواقفه النابية وتحقيره للمرأة. ولم ينس ترامب هذه المواجهة، ووجه لاحقا إهانات شخصية للإعلامية كيلي، ازدادت حدة في الأيام الأخيرة حين رفضت إدارة فوكس سحبها من قائمة الصحافيين الذين اختارتهم الشبكة التلفزيونية لإدارة المناظرة. ونجح ترامب في فرض نفسه على السجال الانتخابي والإعلامي في الأيام الثلاثة الأخيرة حين ألمح أولا إلى أنه قد ينسحب من المناظرة، قبل أن يؤكد ذلك في أعقاب بيان ساخر ومهين صدر باسم مدير محطة فوكس، سخر فيه من ترامب.
بدأت المناظرة بسؤال وجهته ماكين كيلي لمنافس ترامب الأبرز، السيناتور تيد كروز، حول "الفيل غير الموجود في القاعة"، والسؤال كان فرصة لكروز لينهش ترامب في غيابه في مونولوج ساخر، قلّد فيه ترامب، وكرر فيه مقاطع من خطبه الانتخابية المعروفة، مع التأكيد للأميركيين أنه في حال ترشيحه سوف يفوز بالانتخابات العامة بعد هزيمة هيلاري كلينتون، مفترضا أنها ستكون مرشحة الحزب الديمقراطي.
وكما كان متوقعا، تركزت الانتقادات والأسئلة على كروز الذي حاول أن ينكت وأن يكون ظريفا، ولكن دون نجاح واضح. وتمحور الخلاف بين المرشحين حول كيفية حل معضلة المهاجرين غير الموثقين والذين يزيد عددهم عن 11 مليون نسمة.
وكرر معظم المرشحين مواقفهم المتصلبة والمبالغ فيها من "الدولة الإسلامية" (داعش)، بما في ذلك تكثيف استخدام القصف الجوي لقتل عناصرها، والتصدي أيضا للجمهورية الإسلامية في إيران، بما في ذلك تعهد بعض المرشحين بتمزيق الاتفاق النووي معها في أول يوم لهم في البيت الأبيض. الجميع تحدث بإسهاب عن ضرورة مكافحة داعش وهزيمتها، وأشار بعضهم إلى ضرورة جلب العرب إلى ائتلاف دولي أوسع، ولكن اللافت هو أنهم حتى وفي هذا السياق لم يتطرقوا إلى معاناة الشعب السوري، وإن كان المرشح جيب بوش قد دعا إلى فرض حظر جوي محدود، وإقامة منطقة آمنة لإيواء اللاجئين.
وتميز النقاش بالمبالغات، وتضخيم المشاكل، وتشويه سجل أوباما الاقتصادي والاجتماعي، مثل ادعاء السيناتور كروز أن خطة أوباما للعناية الصحية قد تسببت بخسارة الملايين لوظائفهم، بينما الواقع يبين أن معدل البطالة كاد يصل إلى 10 بالمئة حين انتخب أوباما، ووصل الآن إلى 5 بالمئة.
أما في ما يتعلق بالسباق الديمقراطي إلى البيت الأبيض، يبدو أن هيلاري كلينتون قد اكتشفت مؤخرا قيمة وأهمية المناظرات، بعد أن انحسرت شعبيتها أمام شعبية منافسها السيناتور ساندرز. وكانت كلينتون قد نجحت في السابق في التأثير على قيادة الحزب لتنظيم عدد محدود من المناظرات (خلال نهاية الأسبوع لكي يشاهدها عدد ضئيل من الناخبين)، لأنها لم تكن تتوقع منافسة جدية قبل ظاهرة السيناتور ساندرز. وتطالب كلينتون الآن بتنظيم مناظرة إضافية قبل انتخابات ولاية آيوا.
ينتهي يوم الاثنين بعد 6 أشهر من الخطب والوعود الانتخابية التي يطلقها المرشحون بسخاء لا حدود له، سوف يبدأ الناخبون الأميركيون – في ولاية زراعية صغيرة لا يزيد عدد سكانها على 3 ملايين نسمة – باختيار مرشحهم للرئاسة في عملية سياسية لا مثيل لها في العالم.