مع التغير الجذري في صناعة الطاقة الذي دفع الدول المصدرة للنفط، بمن فيهم الخليج، لإعادة النظر في هيكل اقتصاداتها، أطلق صندوق النقد الدولي كتابا بعنوان "الاستغناء عن النفط: مسار صقور الخليج نحو التنوع الاقتصادي"، اطلعت "العربية" عليه، حيث تم استخلاص دروس من القصص الناجحة نسبيا للدول المصدرة للنفط، من بينها إندونيسيا وماليزيا والمكسيك.
وقال الكتاب إن النفط كان نعمة ونقمة على الخليج محددا سبعة تحديات وحلول اقتصادية تواجه الدول الخليجية، على أساس أن نموذج النمو كان مبنيا على الإيرادات النفطية بشكل أساسي وأدى إلى تحسن ملحوظ في مؤشرات التنمية مثل الصحة والتعليم والصرف الصحي والبنية التحتية والسياحة، وأيضا في جودة الحياة لدى المواطنين الخليجيين.
إلا أنه أدى إلى انخفاض الأداء الاقتصادي مقارنة مع البلدان الأخرى، حيث تعاني الدول الخليجية من نقص في تنوع وتطور الصادرات كون 60% منها متعلق بالنفط والغاز.
كما لفت الكتاب إلى أن الحكومات تنفق جزءا كبيرا من إيراداتها النفطية على مواطنيها، إن كان من ناحية الدعم الذي تقدمه أو وظائف القطاع العام، وعلى مشاريع ضخمة في البنى التحتية والعقار، فيما يتم ادخار ما تبقى في صناديقها السيادية.
في المقابل وفي سبيل التوصل لنموذج نمو اقتصادي مستدام، لا بد من خلق قطاعات تتضمن سلعاً وخدمات قابلة للتصدير. إذ بحسب محرري الكتاب، فإن تنوع وتطور الصادرات في الخليج متدنٍ حاليا، ولم يتحسن منذ سنوات عديدة. لذا فإن البدء بتنويع الصادرات أصبح ضرورة كون الوصول إلى تطور عال في الصادرات يستغرق 20 إلى 30 عاماً.
وفي هذا السياق، يحذر الكتاب من Dutch Disease ، وهو مصطلح يشير إلى الآثار السلبية الناجمة عن الارتفاع الكبير في دخل دولة المرتبط باكتشاف الموارد الطبيعية، ما يُحدث فجوة بين التكنولوجيا وحجم الإيرادات النفطية.
وقد صنفت الدول الخليجية بأن لديها تكنولوجيا متدنية وإيرادات عالية مقارنة مثلا مع كندا، التي تتمتع بمستويات تقنية متقدمة.
ووفق ما ورد في الكتاب، فإن النصيحة الاعتيادية المتعلقة بسياسة دولة ما، والتي تشمل تنفيذ إصلاحات هيكلية وتحسين المؤسسات وبيئة الأعمال والاستثمار في البنية التحتية والحد من الأنظمة واللوائح، مهمة جدا ولكنها قد لا تكون كافية لتحفيز إنتاج الصناعات القابلة للتصدير.
انطلاقاً مما سبق، يتعين على الحكومات تغيير هياكل الحوافز حيث تعاني الدول الخليجية من تركز القوى العاملة في القطاع العام، بحسب كتاب صندوق النقد الدولي، إلى جانب تدني سن التقاعد وارتفاع المعاشات التقاعدية.
ويتوجب على الحكومات أن تعمل بمثابة أصحاب رؤوس الأموال الجريئة أو venture capitalist ، وأن تعزز التعاون بين القطاعين العام والخاص، وذلك من أجل تصميم وتنفيذ الاستراتيجيات ليس فقط في القطاعات التي لديها فيها ميزة نسبية أو comparative- advantage بل أيضا في القطاعات التي تتمتع بقيمة مضافة عالية والتي غالبا من تترك آثارا إيجابية غير مباشرة وتحقق مكاسب في الإنتاجية.
"العربية" التقت مؤلفي الكتاب رضا شريف وفؤاد حسانوف، حيث ركزا على تعريف القطاعات القابلة للتصدير.
وفي هذا السياق، اعتبر شريف أن التجربة الناجحة للدول الأخرى تظهر أن القطاعات التي يجب النظر إليها هي قطاعات قابلة للتصدير والتي تساعد على تحقيق المكاسب الإنتاجية، بالتالي، القطاعات التي تتمتع بقيمة مضافة عالية مثل تقنية المعلومات والتكنولوجيا الحيوية.
وبحسب رأيه ، فإن الصناعة تضيف إلى الإنتاجية أكثر من الخدمات التي تتطلب مهارة متدنية، والسبب وهو أن نشاط المطعم على سبيل المثال، لا يختلف مع الوقت بالتالي، لا يضيف كثيرا إلى الإنتاجية، في المقابل، الصناعات المتطورة وتكنولوجيا المعلومات تطور بشكل سريع وتحقق مكاسب في الإنتاجية ومرتبطة ببقية الاقتصاد، ما يرفع نمو الاقتصاد.
بدوره، أكد حسانوف أن العنصر الرئيسي هو التركيز على الصادرات، وإنتاج سلع متطورة قابلة للتصدير بدلا من الإنتاج للاقتصاد المحلي كونها تحديا من الفساد وتعزز المنافسة، وهناك سياسات مختلفة استعرضناها في الكتاب من أجل تشجيع القطاع الخاص على الإنتاج.