حكومة الشاهد: ولادة صعبة ووضع أصعب في الانتظار

المصدر: تونس- منذر بالضيافي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
7 دقائق للقراءة

بعد تحفظات الأحزاب المشاركة، فضلا عن رفض المعارضة لها، اضطر رئيس الحكومة المكلف، يوسف الشاهد، لفتح باب المشاورات من جديد، حول تركيبة حكومته، التي أعلن عنها السبت الماضي، وذلك عبر استقبال عدد من قادة الأحزاب ونواب البرلمان.

بالتوازي مع ذلك، وفي خطوة فهمت على أنها مساندة للشاهد، دعا الرئيس قائد السبسي، الأمين العام لحركة "مشروع تونس"، محسن مرزوق، للاجتماع به غدا الثلاثاء، الذي لا يستبعد أن يمنح حزبه الثقة للحكومة، ويعطيها دعما سياسيا، برغم إعلانه أنه سوف لن يشارك فيها (الحكومة).

المشاورات الإضافية للرئيس المكلف ولرئيس الدولة مع الأحزاب السياسية، تستبق عرض الحكومة لنيل الثقة من البرلمان، الذي حدد ليوم الجمعة 26 أغسطس الجاري، وبالتالي فإنها لقاءات بغايات وأهداف متباينة، ففي حين يعمل كل من الرئيس المكلف ورئيس الدولة، على ضمان مرور الحكومة أمام البرلمان ومنحها الثقة، فإن الأحزاب تسعى من وراء لقائها بالشاهد تبليغ ملاحظات هياكلها حول تركيبة الحكومة، ودعوته لتعديل ما يمكن تعديله .

برغم وجود أنباء صادرة عن بعض السياسيين ممن التقى بهم الشاهد اليوم تقول بأن رئيس الحكومة المكلف وعدهم بإدخال تعديلات على الفريق الوزاري، فان تأكيدات من قصر الضيافة بقرطاج، حيث يجري الشاهد مشاوراته، تشير إلى عكس ذلك، أي أن الرئيس المكلف حسم أمره ولن يحدث أي تغيير على حكومته.

تجدر الإشارة، إلى أن تحفظات الأحزاب، وكلها أعلنت مشاركتها في الحكومة، انحصرت في الاعتراض على بعض الأسماء، ولم نعثر في تصريحاتها أو بياناتها أي اعتراض يذكر لا على هيكلة الحكومة وعددها، ولا أيضا على المنهجية المتبعة في تشكيلها، ولا أيضا الدعوة للمشاركة في بيانها – الذي هو بمثابة برنامج – الذي سيعرض على البرلمان، برغم أنها هي من سيقوم بتنفيذ هذا البرنامج، وهي من سيحاسب عليه.

بعيدا عن طلبات الأحزاب المشاركة في الحكومة، والتي من غير الوارد تخلفها عن منح الثقة للحكومة، فإن النخب الثقافية والخبراء الاقتصاديين والمحللين والإعلاميين من المهتمين بالشأن العام، إضافة إلى بعض أحزاب المعارضة (وإن كانت ردة فعلها اتسمت بالاحتجاج)، كلها اهتمت بقراءة نقدية ذات منحى مضموني، للحكومة الجديدة سواء من خلال الشكل/التركيبة، أو وفقا للتحديات التي ستواجهها، وفي انتظار البرنامج فإن اختيار الأشخاص، يعطي فكرة أولية عن المتوقع والمنتظر.

يوجد شبه إجماع لدى جل المتابعين، على التأكيد على وجود قصور في المنهجية، التي تم اتباعها في مشاورات التشكيل الحكومي، من ذلك أن الأحزاب المشاركة فيها بما في ذلك التي لها "ثقل برلماني" مثل حركة "النهضة" قد فوجئ بالتشكيلة ولم يطلعوا عليها إلا في الإعلام، كما تمت مباغتتهم بتوقيت الإعلام الذي كان مبرمجا لبداية الأسبوع الحالي.

بما يعني أن الرئيس المكلف اختار "المباغتة" في التعاطي مع شركائه في الحكم، كما اختار أيضا وضعهم أمام "سياسة الأمر الواقع"، وهو يدرك أنه ليس بإمكانهم رفض تأخير إعلان حكومة "الوحدة الوطنية"، وإلا فإنه سيقيم عليهم الحجة، ولعل هذا المنهج هو الذي يفسر تعالي الأصوات المحتجة من داخل الائتلاف الحاكم، ولجوء الرئيس المشكل "لمشاورات إضافية" لا يتوقع أن تغير شيئا الآن، على أنه قد يكون لها تداعيات سلبية في قادم الأيام والأشهر، خاصة في علاقة بدرجة تحمس أو إرادة الأحزاب الرئيسية لدعم ومساندة الحكومة، وسط مخاوف من بقاء الحكومة معزولة سياسيا وحزبيا، على غرار ما حصل مع حكومة الصيد المستقيلة.

من الاعتراضات على حكومة الشاهد، ما يتصل بالعدد فهي تجمع 26 وزيرا و15 كاتب دولة هذا فضلا عن عدد من المستشارين حول رئيس الحكومة ستمنح لهم رتبة وامتيازات وزير. وهو عدد كبير جدا يجعل من التنسيق والاتصال داخلها عملية صعبة، في وقت كان يفترض فيه الذهاب نحو تشكيلة حكومية مصغرة، تكون أكثر نجاعة، إضافة إلى الضغط على "التكلفة الوزارية" في بلد تعاني موازنته من شبح الإفلاس، كما أنه اختيار – حكومة مصغرة متقشفة في امتيازاتها ومرتباتها – كان سيبعث برسالة إيجابية للمواطنين، الذين تنتظرهم سياسة اقتصادية فاقدة لكل بعد اجتماعي، سياسة مستوحاة من "وصفة" المؤسسات المالية الدولية" (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي).

اللافت للانتباه أيضا، هو غياب التناغم بين "مواصفات الوزراء" و"أولويات" الحكومة التي حددتها سلفا "وثيقة قرطاج"، فلا يكاد تعرف خصال وكفاءة تذكر للوزراء المكلفين بالملف الاقتصادي مثلا، الذي هو من أبرز أولويات حكومة الشاهد، في ظل وضع اقتصادي كارثي، بعد انهيار كل المؤشرات وتواتر الحديث عن "إفلاس الخزينة" في ظل عجز تجاوز كل حدود المعقول.

في هذا الإطار، أكد وزير المالية الأسبق حسين الديماسي، أن وضعية تونس الاقتصادية والمالية سيّئة للغاية خاصة أن الأرقام المسجّلة مؤخّرا من طرف المعهد الوطني للإحصاء لسنة 2016 لا تزال سلبية، وأن انهيار الدينار هو أكبر دليل على "كارثية" الوضع مما سيكون له في قادم الأيام تأثير كبير على كل المعطيات الاقتصادية والمالية للبلاد.

وضع قال عنه الرئيس السبسي، في 2 يونيو 2016، أنه "كارثي" و"لا يمكن أن يستمر"، وبناء عليه دعا لمبادرة تشكيل حكومة "وحدة وطنية".

أما فيما يتعلق بالحرب على الفساد، هذه الظاهرة التي تحولت إلى واقع وممارسة يومية يتعايش معها التونسيون، كما أنها كانت ولا تزال محل إشارة وتنبيه ولفت انتباه من شركاء تونس، سواء الأوروبيين أو من خبراء المؤسسات الدولية المانحة. ما جعل الخطاب الرسمي يقر بها ويتوعد بمواجهتها وبالتصدي لها، وهو ما لا يبدوا بارزا في تركيبة الشاهد، وحتى بعض الوزراء الذين هم على علاقة بملف "الحوكمة" فقد تمت إثارة حولهم شبهات، ليس من ناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، بل من قيادات سياسية تشارك في الحكومة. وأيا كانت صدقية هذه الاتهامات فإنها "تشوش" على أولوية هامة من أولويات الحكومة.

مجتمعيا، نلاحظ أن "الصمت الاتصالي" الذي رافق ولا يزال مشاورات الحكومة، فضلا عن وجود أسماء "نكرة" فيها أوكلت لهم ملفات من غير اختصاصهم، كلها عوامل زادت في منسوب القلق المجتمعي العام الذي تعيشه كافة شرائح المجتمع، بسبب غياب الرؤية والوضوح وبالتالي الخوف من المستقبل، وكلها مقدمات ستكون نتائجها المزيد من اتساع "أزمة الثقة" بين التونسيين والطبقة السياسية في الحكم وفي المعارضة.

وفي انتظار الكشف عن برنامج الحكومة، فإن الترقب لدى التونسيين بلغ أقصاه، وعلى الحكومة إدراك هذه الحالة جيدا والاستعداد لها، ما سيجعل العودة السياسية والاجتماعية صعبة جدا، وليس العودة الحالية فقط، بل السنة القادمة (2017) التي يتوقع أن تكون صعبة بل في طعم العلقم، ستكون معه الحكومة في وضع لا تحسد عليه، عند تمرير ما يسمى "بالإصلاحات الموجعة"، التي ستكون قطعا مرفوقة بحراك احتجاجي، ربما لن ينفع معه وجود وزيرين، من "قدماء قادة اتحاد الشغل"، في تجاوزها أو الحد من وطأتها ومداها.

بالنسبة لتحدي محاربة الإرهاب، فإن يوسف الشاهد عمل بالمثل الشعبي التونسي القائل: "الحيلة في ترك الحيلة"، من خلال اختيار الاستمرارية مع الإدارة الحالية، فلم يكن أمامه من خيار آخر، غير تثبيت وزيري الداخلية والدفاع، وسط مطلب من كافة القوى السياسية، يرى أن المؤسسة الأمنية بدأت تتعافى، ولا يمكن المغامرة بأحداث تغيير قد يفسد تناغمها وتركيزها، خصوصا وأنها كسبت جولات هامة في الحرب على الإرهاب، هذا فضلا عن تمسك القوى الرئيسية أيضا بضرورة تحييد وزارات السيادة، فكانت استجابة الرئيس المكلف، وخيرا فعل لصالحه ولصالح حكومته ولصالح استقرار الأمن القومي لتونس.

الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط