مع إعلان وزارة التجارة والاستثمار في السعودية، عن مشروع نظام الإفلاس لآراء العموم بعد دراسة أفضل الممارسات الدولية لأنظمة 8 دول متقدمة، فتحت بورصة التوقعات على شكل ومضمون مثل هذا القانون الذي طال انتظاره لأكثر من 20 عاماً، ومهد له إقرار قانون الشركات الجديد.
ويتطلب تطبيق مثل هذا القانون، آليات عدة تستلزم توفير الأرضية اللازمة من خبراء وقضاة ومنظومة أو دائرة قضائية ربما تنشأ داخل إحدى المحاكم التجارية في السعودية لاحقا، وفقا لتصورات القائمين على مشروع القانون، ما يفتح الباب عريضاً أمام الآليات التنفيذية التي ستجعل من هذا القانون في حال رأى النور قابلا للتطبيق والممارسة على أرض الواقع.
ووصف المحامي المتخصص في قانون الشركات، ماجد قاروب، باتصال مع "العربية.نت" مشروع القانون بأنه "مهم جدا في إطار منظومة القوانين المتعلقة بالتجارة"، مرجعاً أسباب تعثر صدور مثل هذا القانون على مدى 25 عاماً مضت إلى عدم وجود أرضية تشريعية تجارية.
وقال قاروب إنه عندما توفرت الأرضية التشريعية لهذا القانون، عبر إقرار قانون الشركات الجديد، أصبح من الطبيعة الحتمية وجود تشريع ينظم الإفلاس في المملكة، مؤكداً أن وجود القابلية والجهوزية لدى شركات ومؤسسات القطاع التجاري في المملكة لمثل هذا القانون هي أهم في الواقع في عملية الاستفادة منه، فوجود ثقافة وقيم مؤسسية تسمح بوضع أطر للإفلاس هي عنصر حاسم في تطبيق مثل هذا القانون.
واعتبر أن أكثر القطاعات استفادة من مثل هذا التشريع، سيكون قطاع المقاولات بوصفه الأكثر عرضة للاضطرابات والانكماشات التي قد تؤدي إلى إفلاس وتصفية المشاريع والشركات، مشددا على أن البيئة القانونية هي التي يجب أن ينبع منها القانون، دون النظر إلى الأطراف المستفيدة والمتضررة منه، فآلياته التشريعية هي التي ستصنع شكله المستقبلي وتضمن التطبيق الأمثل له.
وشكك قاروب في جدوى استنباط القانون من قوانين دول متقدمة، لكونها تختلف في بيئتها التجارية والتشريعية عما هو معمول به في المملكة، مؤكداً أنه يساند وجهة النظر القائلة بإفساح المجال للتدخل أكثر لمؤسسات المجتمع المدني الاقتصادي ومنها الغرف التجارية، التي قالت "إنها لن تشارك بفعالية في هذا القانون" بحسب اعتقاده.
وأعرب عن عدم تفاؤله بإنجاز قانون متكامل يخدم بيئة العمل السعودية، معتبراً أن كثيراً من الشركات التي تعاني من تشابكات عائلية وتشوهات أو خلل في هيكلها التنظيمي وهيكل حصص الملاك في رأسمالها، ستكون غير قابلة للتوافق مع هذا القانون أو الاستفادة منه وذلك لوجود "خلل في التنظيم المؤسسي لها".
وأشار إلى وجود حالات تستحق المعالجة بقانون للإفلاس، لكنها في الواقع تعاني من مشاكل أعمق تتصل بهيكل الملكيات وهيكل رأس المال، وتعاني من تضارب في المصالح مع الموردين والممولين لها، وبالتالي سيكون من غير المنطقي توجهها للاستفادة من مثل هذا القانون في حال إقراره، وهذا ما يجعل من خصوصية المشكلات في القطاع التجاري بالسعودية تتطلب الأخذ بالأبعاد المحلية بجرعة أكبر في صياغة هذا القانون المرتقب.
وأشار قاروب إلى مشكلة "منح القروض بناء على الشهرة أو الثقة الشخصية دون وجود دراسات للجدوى أو المخاطر من التمويل"، وهذا برأيه سيحول دون فتح الكثير من ملفات الشركات المتعثرة أمام قانون الإفلاس.
وذكرت وزارة التجارة أن مشروع النظام يتكون من 320 مادة جاءت مفصلة عن إجراءات التسوية الوقائية، وإعادة التنظيم المالي، والتصفية، واعتنى بمنح الإجراءين الأولين أولوية تهدف إلى إقالة عثرات المدينين وتمكينهم من معاودة ممارسة نشاطاتهم التجارية والاقتصادية في أسرع وقت ممكن.
وستعزز مواد القانون من قدرة الشركات المتعثرة على استئناف ممارسة أعمالها، أو إجراء التصفية إذا تعذر ذلك، بما يحفظ حقوق الدائنين وغيرهم من أصحاب المصالح تعزيزاً للثقة في التعاملات التجارية والمالية.
وقد قامت الوزارة بإعداد مشروع نظام الإفلاس بالتعاون مع أحد بيوت الخبرة الدولية المتخصصة في هذا المجال، وذلك وفق منهجية محددة اعتمدت على رصد احتياجات التجار والمستثمرين في المملكة وتحليل العثرات المالية التي واجهوها.
وقالت الوزارة إنها أجرت دراسة لأفضل الممارسات الدولية في مجال الإفلاس وتحليل قوانين دول مثل انجلترا وويلز وفرنسا وأميركا وألمانيا والتشيك وسنغافورة واليابان. وقد جاء اختيار هذه الدول بناء على عدة معايير تشمل إتاحة التعامل مع حالات الإفلاس بأساليب متنوعة تناسب حالة المدين، من خلال تصفية أصوله أو سن إجراءات تمكنه من مواصلة نشاطه الاقتصادي.