تعرف تونس تصاعداً كبيراً بل "تعاظماً" لدور راشد الغنوشي، رئيس حركة "النهضة" في الحياة السياسية الداخلية، من خلال المشاركة القوية في صنع القرار السياسي وفي الحكم، أو عبر تنامي حضوره "الدبلوماسي" في الخارج، حيث يتم استقباله رسمياً من قبل الملوك والرؤساء وكبار المسؤولين الرسميين في العالمين العربي والغربي بصفة دورية، وهو ما أثار جدلاً حول "صفة" الرجل وطبيعة دوره ليتحدث باسم الحكومة، ويمثل البلاد في المحافل الدولية.
هناك حيرة ورفض كبيران لتواتر النشاط الخارجي لمرشد الإسلاميين في تونس، سواء من خلال استقباله الدوري للسفراء المعتمدين بتونس، أو لقاءاته التي تكاد تكون منتظمة بزعماء وقادة وكبار ممثليها.
واللافت للانتباه أن المكتب الإعلامي لـ"النهضة" ينشر نشاط الغنوشي "الدبلوماسي" بطريقة استعراضية، في رسالة للداخل وللقوى الوطنية، على الحظوة والمكانة التي يحظى بها الغنوشي دولياً.
في هذا السياق، نشر رئيس حركة "النهضة" راشد الغنوشي، السبت 3 ديسمبر 2016، على صفحته الرسمية الخبر التالي:
"بدعوة من المؤسسة الدولية للدراسات السياسية والدولية تحت سامي إشراف رئيس الجمهورية الإيطالية، حضر الشيخ راشد الغنوشي منتدى حوار المتوسط، وقد شمل الحضور عددا من المسؤولين الدوليين، مثل وزير الخارجية الإيطالي ووزير الخارجية الأميركي ووزير الخارجية الروسي، وعدد آخر من كبار المسؤليين والسياسيين والخبراء".
وتابع الخبر أنه كانت للغنوشي "مشاركة في منتدى حواري بعنوان (الديمقراطية والسياسات: أي دور للإسلام؟) كما كانت له لقاءات على هامش المؤتمر مع مسؤولين وخبراء، مثل المبعوث الأممي إلى ليبيا مارتن كوبلر، ووزير الخارجية الإيطالي، وبول قلقر مسؤول العلاقات في الفاتيكان، وحافظ غانم نائب رئيس البنك الدولي".
تأتي زيارة إيطاليا بعد "زيارة رسمية" للغنوشي لباريس منذ فترة، التقى خلالها بوزير الخارجية الفرنسي جون مارك إيرولت، وبرئيس البرلمان، وعدد من مسؤولي الخارجية المشرفين على العلاقة مع العالم العربي، ورئيس البرلمان كلود بارتلون، ورئيس مجلس الشيوخ جيرار لارشيه، ورئيسة لجنة العلاقات العامة في البرلمان الفرنسي إليزابيث قيقو، ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ جان بيير رافاران، ومجموعتي الصداقة التونسية - الفرنسية في البرلمان وفي مجلس الشيوخ، ورئيس معهد العالم العربي، وزير التربية الأسبق جاك لانغ، ومجموعة من القيادات السياسية الأخرى، وعدد من البرلمانيين والفاعلين الاقتصاديين.
زيارة باريس اعتبرت من قبل المراقبين بمثابة "اختراق" من الإسلاميين لفرنسا الرسمية وأيضاً الثقافية، بالنظر إلى الموقف الفرنسي التقليدي المعادي لكل حوار أو تقارب مع التيارات الإسلامية، فضلاً عن موقف العلمانية الفرنسية المعادية للفكر الديني، والمتمسكة بقوة بلائكية المجتمع والدولة.
حرصت حركة "النهضة" على التقليل من الرفض الرسمي وكذلك المجتمعي لزيارات الغنوشي للخارج، ولقائه بقادة العالم والحديث حول الشأن التونسي، كما لو أنه مسؤول في الحكومة أو مكلف من قبلها.
في هذا الإطار، علق الغنوشي على الجدل الذي سببته زياراته المتتالية للخارج، وعلى ما اعتبره البعض أنه بمثابة "دبلوماسية موازية"، مشيراً إلى أن الزيارات التي يؤديها خارج تونس "تندرج في إطار الدبلوماسية الشعبية وهي ليست باسم الحكومة التونسية"، وفق تعبيره.
حول معاني ودلالات "تصاعد" دور الغنوشي في الداخل والخارج، قال المحلل السياسي، الحبيب بوعجيلة لـ"العربية.نت"، إن "حركة النهضة تبدو الطرف الإسلامي الوحيد الذي خرج دون أضرار تُذكر من موجة الصدام التي وقعت فيها ثورات الربيع العربي، وخرج فيها الإسلام السياسي أكبر المتضررين في مصر واليمن وليبيا".
يعتبر بوعجيلة "أن الغنوشي استثمر جيداً في المزاج التونسي الميال إلى التسويات، واستطاع بفضل دوره في التوافق الوطني، حماية حركته، وتسويق التوافق كدليل على إمكانية نجاح الإسلام السياسي، في الانخراط في الديمقراطية".
ويتابع بوعجيلة أن الغنوشي يدرك جيداً أن هذا النموذج لـ"الإسلام الديمقراطي"، يلقى قبولاً في دول شمال المتوسط، وهي تحتاجه لضمان الاستقرار على ضفافها الجنوبية.
وعلى خلاف وجود تيار سياسي قوي يعارض تصاعد نفوذ الغنوشي خاصة في الخارج، فإن بوعجيلة "يعتبر الغنوشي بعد أن جعل من حركته ومن نفسه أنموذجا للإسلام الديمقراطي، هو الآن يستثمر جيداً ذلك، ويعمل على تجيير هذا النجاح لصالح الاستقرار الاقتصادي والسياسي للبلاد، وضمان وضع آمن لتجربة شراكة سياسية مع الدولة التونسية".
كما يشدد الحبيب بوعجيلة على "أن الغنوشي يتمتع الآن بإمكانيات نجاح كبيرة، نظراً لتماسك حزبه ودوره المركزي في الساحة التونسية، وأيضاً قدرته على التباهي في الأوساط الإسلامية العربية بأنه كان أكثر نجاحاً منهم في إدماج الإسلاميين في مشهد سياسي ديمقراطي معقد".