فور أن نشرت "العربية.نت" قصة الخبير التربوي السعودي الذي ظل يبحث عن معلمه المصري طيلة 41 عاما، تسابقت وسائل الإعلام المصرية للحديث معه الاثنين ونشر قصتهما المؤثرة والمعبرة عن كل معاني الوفاء و العرفان.
لكن على الجانب الآخر كانت هناك اتصالات أخرى من السعودية أضافت لتلك القصة الكثير من المشاهد الإنسانية والكثير من معاني الحب والتقدير من طلاب لمعلمهم.
الاتصالات التي تابعتها ورصدتها "العربية.نت" كانت بين طلاب سعوديين آخرين ومعلمهم، وكانوا مثل زميلهم عبد الله بن أحمد قهار، يبحثون عن هذا المعلم، وفشلوا في الوصول إليه، ولكن بعد أن نشرت "العربية.نت" القصة معلنة عثور قهار على معلمه اتصلوا بزميلهم السابق وحصلوا منه على هاتف المعلم، وتحدثوا معه وقرروا جميعا أن يزوروه في مصر مايو القادم.
طاهر العريبي مدير مركز رعاية بالموسم التابعة لمنطقة جازان، يبدأ حديثه لـ"العربية.نت" قائلا شكرا لـ"العربية.نت" وللزميل عبد الله بن أحمد قهار الذي ساعدنا في الوصول لمعلم غرس فينا العلم وزرع فينا الأدب والقيم والأخلاق الحميدة، وعلمنا كيف تكون الفضيلة، وكيف يكون الإنسان عبدا ربانيا يمشي على الأرض بالخير، مضيفا أن ما يقوله حقيقة وليس غزلا أو مجاملة لمعلم أثر فيهم وعاش في نفوسهم وتأثرت به شخصياتهم ومازال في قلوبهم وعقولهم رغم رحيله عن السعودية منذ 41 عاما.
ويضيف العريبي قائلا "لقد كنت تلميذا في مدرسة الموسم الابتدائية، وعلمني الأستاذ عبد المنعم كيف أقرأ القرآن وأشهد الله أنني سمعت منه تلاوة لم أسمعها في حياتي، فقد كان صوته ساحرا وعذبا فيه حلاوة، ودفعتنا تلاوته الجميلة لكي نستمتع بقراءة القرآن ونحب كتاب الله، يكفي أن أقول لك إنه قام بتحفيظي سورة الملك بطريقة جديدة جعلتها راسخة في عقلي، وكان ينصحني دائما بقراءتها قبل النوم وحتى هذه اللحظة وكلما أهم بقراءتها قبل النوم أتذكره بالخير وأتذكر تلك اللحظة التي نصحني فيها بكل تفاصيلها الدقيقة وكأنها حدثت اليوم".
ويقول: "فور أن قرأت القصة في "العربية.نت" اتصلت بزميلي عبد الله قهار، وتحدثت مع الأستاذ مع عبد المنعم الذي كان بجواره، وكان حديثنا ممزوجا بالشجن والحب، فقد اغروروقت عيناي بالدموع وأنا أتحدث مع هذا المعلم العظيم الذي كما قلت غرس فينا كل شيء جميل، وجعلنا نماذج لجيل محب لدينه ووطنه، وقال لي إنه سعيد بهذا التواصل، وحزنت عندما علمت أن صحته تأثرت كثيرا بأمراض الشيخوخة، ووعدته أنني سأزوره في مصر مايو القادم، وبعد حصولي على الإجازة السنوية من عملي، مشيرا إلى أن زيارة الأستاذ عبد المنعم أصبحت فرض عين عليه وعلى زملائه، فهو يستحق أن يقطعوا آلاف الأميال كي يقدموا الشكر والعرفان له".
وأضاف أنه علم أن زملاء آخرين تحدثوا مع المعلم ووعدوه بالزيارة، وأنه سيقوم بالتنسيق معهم جميعا لزيارته في مصر وقضاء إجازاتهم معه حتى يستعيدوا أجمل ذكريات حياتهم مع معلمهم الذي علمهم - كما يقول - كيف يكون الإنسان.
" العربية.نت" تحدثت مع المعلم المصري عبد المنعم القاضي فقال إنه سعيد بالاهتمام الإعلامي له فور زيارة تلميذه عبد الله بن أحمد قهار، مؤكدا أنه أحيل للتقاعد قبل 17 عاما، وأصبح نسيا منسيا ينتظر لحظة النهاية، لا يسأل عليه أحد إلا أبناؤه وأقاربه حتى تلاميذه في مصر لم يفعلوا معه مثلما فعل تلاميذه السعوديون، ولكن بعد زيارة تلميذه السعودي عبد الله قهار، شعر كأنه عاد للحياة وأن ما زرعه في تلاميذه عاد إليه، فقد تجددت بداخله كل ينابيع السعادة وأحس بفرحة من وجد حصاده وفيرا بعد عناء ومشقة الغرس والزرع.
وأضاف أنه لم يقدم إلا ما يرضي الله ورسوله، وتعامل مع تلاميذه سواء في السعودية ومصر كأنهم أبناؤه، مؤكدا أن عددا كبيرا من تلاميذه اتصلوا به فور نشر قصته، ومنهم طاهر العريبي وخالد فيصل وآخرون، وأكدوا له أنهم سيزورونه جميعا في مسقط رأسه بمدينة قفط بقنا الصيف القادم.
ويروي القاضي ذكرياته خلال عمله في السعودية ويقول إنه أعير كمعلم من جانب وزارة التعليم المصرية للعمل في مدرسة الموسم الابتدائية الواقعة قرب الحدود اليمنية عام 1972 لمدة 4 سنوات، واستقر في منزل تمتلكه عائلة الطالب عبد الله بن أحمد قهار بجانب المدرسة، ودرس للصف الأول والثاني لمدة عامين، وفي العامين الأخيرين قام بالتدريس للصف الخامس والسادس، وكانت المدرسة بها نحو 12 فصلا، وكل فصل به ما بين 15 إلى 20 تلميذا، والوسائل التلعيمية المساعدة للعمل كانت قليلة.
ويشير إلى أن راتبه في مصر في ذلك الوقت كان 12 جنيها مصريا، ووافق على الإعارة للسعودية لتحسين دخله، خاصة أنه كان لديه وقتها 4أبناء ولدان وبنتان، وعندما سافر للسعودية كان العقد ينص على حصوله على راتب قيمته 600 ريال، وهو ما يعادل 90 جنيها مصريا، ارتفع بعد ذلك إلى 1400 ريال، مؤكدا أن الحياة في قرية الموسم وقتها كانت صعبة، فالخدمات قليلة لكن العائلات المقيمة هناك كانت متحابة ومتكاتفة اجتماعيا وإنسانيا، واعتبروني جميعهم واحدا منهم، فلم تخل مناسبة اجتماعية لهم إلا وكنت ضمن المدعوين، وهو ما جعلني أرتبط بهم كثيرا وأحبهم وأشعر كأنهم أهلي مما خفف عني عناء الغربة ومشقة البعد عن أسرتي وأولادي.
ويقول كانت مدينة جازان التي تقع بها الإدارة التعليمية التي نتبعها تبعد عن القرية نحو ألف كيلومتر، ولو رغبنا في إنهاء معاملة كنا نضطر لقطع هذه المسافة الكبيرة ذهابا وعودة بالسيارة، وذات يوم كان لابد أن أنهي معاملة عاجلة ولم أجد سيارة لذا استقللت دراجة نارية للسفر، لكنها تعطلت في الطريق، وأصبت في ذراعي وأسعفني أحد المارة واصطحبني والدراجة النارية معه في سيارته حتى جازان، كما وضع الدراجة النارية في مؤخرة السيارة ليقوم صاحبها بإصلاحها بعد ذلك في جازان ويعود بها للموسم.
"عشت أجمل سنوات عمري في السعودية"
المعلم المصري يؤكد أنه عاش أجمل سنوات عمره في السعودية، وكان تلاميذه يزورونه في منزله، ومن يحتاج لمساعدة دراسية أو تعثر عليه فهم شيء كان يأتيه في المنزل لشرحها له ولا يخرج إلا بعد أن يتأكد أنه استوعبها بالفعل، مضيفا أنه عقب انتهاء مدة الأربع سنوات تم التجديد له لعام خامس، ولكن بعد نهاية العام الخامس العام رفض التجديد، فقد كبر أبناؤه وأصبحوا في حاجة لرعايته، خاصة أنه أنجب ابنة خامسة وعانت زوجته كثيرا في رعاية الأبناء خلال فتره إعارته.
ويقول إن الله وفقه أيضا في تربية أبنائه وتعليمهم حتى وصلوا لمكانة عالية، فابنه الأكبر أسامة يعمل أستاذا لمادة الرمد بكلية الطب جامعة جنوب الوادي، وأحمد يعمل صيدليا، وابتسام صيدلانية متزوجة من طبيب أسنان، وهالة صيدلانية، والصغيرة إيناس مهندسة، مضيفا أن أبناءه وتلاميذه الذين كرموه وزاروه وتواصلوا معه هم ثروته الحقيقية والهدية التي منحها الله له بعد هذا العمر الطويل.