إذا كنت تعتقد أن الاقتصاد الياباني يعتمد على الشركات الكبيرة التي ظلت لعقود تصدر منتجاتها لدول العالم فعليك إعادة النظر في هذه الفكرة، ليست تويوتا ولا سوني، أو حتى توشيبا هي من يساهم بالثقل الأكبر في تكوين الاقتصاد الياباني.
وتنتشر في اليابان أكثر من 3.8 مليون شركة صغيرة ومتوسطة، وتشكل هذه الشركات 99.7% من مجمل الشركات اليابانية، وتوظف نحو 70% من القوى العاملة، كما أن هذه الشركات تستحوذ على 43% من مجمل مبيعات القطاعات التجارية، وتحقق 50% من أرباح الشركات بشكل عام.
هذه الأرقام جعلت من تجربة قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة في اليابان تجربة رائدة عالمياً، إذ عادة ما يواجه هذا القطاع تحديات كبيرة في دول أخرى، وتتمثل هذه التحديات في صنع البنية التحتية التي تحتاجها هذه الشركات في الانطلاق لمساهمة أكبر في الاقتصاد الوطني، ومن ثم توفير أكبر عدد من الفرص في سوق العمل.
وتداركت الحكومة اليابانية أهمية تطوير أداء تلك المشاريع منذ وقت مبكر، فقامت عام 1963 بسن قانون شامل للشركات الصغيرة والمتوسطة، هذا القانون شكل أكبر دعم يضمن النجاح الفني والإداري والتقني للشركات اليابانية الناشئة، هذا القانون تم تطويره عام 1977، وتعديله عام 1999، لتجني اليابان في الألفية الجديدة ثمار هذه المتابعة الحثيثة لهذا القطاع.
وأوجد القانون الياباني الخاص بالشركات الصغيرة والمتوسطة نظاماً خاصاً بتمويل هذه المنشآت وضمان القروض التي تحصل عليها، إضافة لتوفير البرامج التدريبية في النواحي الإدارية والفنية، وأوجدت الحكومة اليابانية هيئة خاصة تقدم الدعم الفني لهذه المنشآت وتقدم لها المعلومات اللازمة، وإلى جانب كل هذا دعمت الحكومة تسويق منتجات هذه المنشآت داخليا وخارجيا، والتزمت بتطوير نظام لشراء منتجات المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وأطلقت برنامجاً لحماية المنشآت الصغيرة والمتوسطة من الإفلاس أيضا.
ودفعت هذه التجربة السعودية عبر الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة لتوقيع اتفاقية تعاون مشتركة مع وكالة المنشآت الصغيرة والمتوسطة اليابانية، بهدف الاستفادة من ريادة هذا القطاع ومساهمته في الاقتصاد الوطني والناتج المحلي للمملكة.
وجاء هذا التوجه بعد أن خصصت رؤية السعودية 2030 جزءا من اهتمامها لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، واستهدفت رفع مشاركتها إلى 70% من الاقتصاد الوطني.
فعلى الرغم من أن المنشآت الصغيرة والمتوسطة تمثل 93% من إجمالي المنشآت التجارية في السعودية، إلا أن مشاركتها حاليا لا تتجاوز 33% من الناتج المحلي و4% فقط من الصادرات، وبمساهمة لا تتجاوز 4% من استيعاب العمالة الوطنية.
وكان مجلس الوزراء السعودي قد وافق في 2015 على إنشاء الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، لتكون هيئة تتمتع بالاستقلال المالي والإداري، ويرأس مجلس إدارتها وزير التجارة والصناعة.
وفي خطوة أخرى، أقرت السعودية أيضا نقل نشاط تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى صندوق التنمية الصناعية في المملكة، ليكون مختصاً ببرامج تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة أو ضمان تمويلها.
ووسط هذا الحراك، ينتظر أن تشهد الاتفاقية السعودية اليابانية تفعيلاً أكبر لمضامينها خلال الشهور القادمة عن طريق نقل التجارب اليابانية عبر التدريب وورش العمل، التي ستساهم في تطوير هذا القطاع في المملكة.