قام الرئيس الأميركي دونالد ترمب بداية هذا الشهر بالتوقيع على قانون يجيز فرض عقوبات إضافية على روسيا وذلك في ضوء اتهامها بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، وبسبب سياسات روسيا تجاه أوكرانيا.
لكن بعض المحللين يرون أن الهدف الأساسي للعقوبات قد لا يكون سياسياً بحتاً، بل يحمل أجندة اقتصادية أميركية.
إذ تتركز العقوبات السابقة حول عمليات الاستكشاف في القطب الشمالي والمياه العميقة وتقنيات النفط الصخري ضمن الأراضي والمياه الروسية.
لكن العقوبات الجديدة قد تعرقل أي استثمارات في مشاريع جديدة لبناء الأنابيب بهدف تصدير الغاز الروسي إلى أوروبا، بالإضافة إلى أنها تحد من قدرة مشغلي الأنابيب الحالية القائمة والتي تنقل الغاز الروسي على القيام بأي عمليات صيانة.
لذا يرى المراقبون أن العقوبات الأميركية الأخيرة ما هي إلا بداية لمعركة بين الولايات المتحدة وروسيا على سوق الغاز الأوروبية.
ولكن ماذا عن الطلب والعرض في سوق الغاز الأوروبية العام الماضي؟
تظهر الأرقام أن حجم الطلب على الغاز في الاتحاد الأوروبي فقد بلغ نحو 605.6 مليار متر مكعب.
وتمت تغطية جزء مهم من الطلب من خلال الإنتاج المحلي للغاز من داخل الاتحاد عبر الأنابيب والذي بلغ 253.8 مليار متر مكعب.
أمّا ما تم استيراده من شركة غازبروم الروسية عبر الأنابيب بلغ 246.8. كما استورد الاتحاد الأوروبي جزءاً لا بأس به من احتياجاته عبر الغاز المسال.
وأكبر الدول الموردة للغاز المسال إلى الاتحاد العام الماضي هي: قطر 23.7 مليار متر مكعب، الجزائر 14.9 مليار متر مكعب، الولايات المتحدة 0.5 مليار متر مكعب.
وتتجه الولايات المتحدة، في ضوء النمو الضخم المرتقب في قدرتها الإنتاجية من الغاز المسال في السنوات المقبلة، نحو تحدي الهيمنة الروسية على الإمدادات الأوروبية من الغاز.
وتبدو البداية من عرقلة تشييد مشروع Nord Stream 2 وهو خط الأنابيب الذي سيربط غاز سيبيريا الروسي مباشرة إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق، متجاوزا أراضي دول أوروبا الوسطى السوفيتية السابقة.
ويبلغ طول الأنبوب 1200كم بقيمة 9.5 مليار يورو. وتبلغ قدرته الاستيعابية 55 مليار متر مكعب سنويا. ومن المخطط أن يبدأ العمل نهاية عام 2019.
وتشترك بتمويل نصف المشروع خمس شركات أوروبية وهي: Uniper و Wintershall الألمانيتين وOMV النمساوية و Engie الفرنسية و Royal Dutch Shell الهولندية البريطانية.
والمشروع، إن اكتمل، قادر على زيادة حصة روسيا في سوق الغاز الأوروبية من 34% حاليا إلى 40% من الطلب الأوروبي بعد إتمام المشروع.
لكن القدرة الإنتاجية الأميركية من الغاز المسال للتصدير ستصل عام 2021 إلى 95 مليار متر مكعب سنويا.
وستحاول الولايات المتحدة جاهدة تثبيت إمداداتها من الغاز المسال في السوق الأوروبية عبر منافسة الغاز الروسي مباشرة.
لكن الجدير ذكره أن ألمانيا تحديدا مستاءة جدا من العقوبات الأميركية الأخيرة. حيث بالرغم من أنه يهمها تنويع مصادرها من الغاز، إلا أنه لم يرق لها أن تتحكم الولايات المتحدة بخياراتها.
لذا من المتوقع أن تشهد سوق الغاز الأوروبية المزيد من المعارك الجيوستراتيجية بين روسيا والولايات المتحدة خلال السنوات المقبلة.
وتوقع مورتن فريش الشريك في شركة Morten Frisch للاستشارات أن تنعكس العقوبات الأميركية سلبا على العلاقة الأميركية الألمانية.
وأكد أن الغاز الروسي سيبقى في كل الأحوال أقل كلفة على الأوروبيين من الغاز المسال الأميركي، لافتا في الوقت ذاته أن هناك تاريخا قديما من استهداف الولايات المتحدة للأنابيب الروسية.
وأشار إلى أن الشركات الأوروبية قلقة من العقوبات الأميركية المرتقبة، وبالتالي ستحاول تلك الشركات تحديها بكافة الطرق، رغم أن لا أحد بالضبط يعلم الدرجة التي ستطبق بها إدارة ترمب هذه العقوبات.
غير أنه يعود فريش ليذكر أن العقوبات واسعة وفضفاضة وأنها لا تشمل روسيا فحسب بل تتضمن كلا من إيران وكوريا الشمالية. لذا قد تقوم إدارة ترمب في رأيه بتطبيق العقوبات على روسيا ولكن بشكل خفيف.