يوصف يوم الإعلان عن أضخم مشروع سعودي "مدينة نيوم" باليوم الاستثنائي، حيث اجتمع آلاف من قادة الاقتصاد والمال في العالم في مركز الملك عبدالعزيز الدولي للمؤتمرات في الرياض، وشهدوا إعلان ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، عن المشروع الضخم الذي يقع على ساحل البحر الأحمر. ولحظة الكشف عن المشروع المقدر استثماراته بنحو 500 مليار دولار علا التصفيق، وردد الحضور عبارة واحدة: مذهل، ويستعرض الجزء الأول من الفيلم الوثائقي "مملكة الغد" على قناة "العربية" التحولات الكبرى في السعودية بمختلف المجالات التنموية والاقتصادية والاجتماعية.
ومنذ ذلك الإعلان الشهير، بدأت الشركات العالمية، وخلال ساعات من الإعلان بالترويج للدور الذي يمكن أن تحظى به في تمويل وتطوير نيوم رغم جرأة المشروع واتساع طموحه، فمجتمع الأعمال الدولي بات يرى ويُعجب بمعالم الوجه الجديد للمملكة التي بدأت تتشكل، وبوضوح.
ولم يكن "نيوم" المشروع الوحيد الذي لفت الأنظار في عام 2017، فقد سبقه مشروع القدية لإنشاء أكبر مدينة ترفيهية ورياضية وثقافية في العالم، ومشروع البحر الأحمر الذي يتضمن تطوير 50 جزيرة لتقديم وجهة سياحية متكاملة.. من الآثار.. إلى الشواطئ البكر، ولأول مرة تبدو السعودية وكأنها بدأت تخرج فعليا من عباءة النفط سواء كحكومة أو قطاع خاص.
وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، يقول إن "رؤية المملكة 2030 أتت لتحقق طموحا مهما جدا من طموحات المواطن السعودي، أن يكون لدينا هدف واحد نطمح للوصول إليه تلتقي فيه كافة الأطراف سواء الجهات الحكومية أو القطاع الخاص".
وكانت أولى الخطوات في اتجاه نيوم، خطاها شاب سعودي رأى في المشروع حافزا من نوع مختلف، وهو مشعل الهرساني، وبعد ثلاثة أيام فقط من الإعلان عن المشروع قدم اختراعا مستوحى من شعار نيوم.
وقال الهرساني: "لما أطلق ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مشروع مدينة نيوم قال إنها ستكون مدينة للحالمين، وفعلا بدأنا بالحلم. أنا ومجموعة من الشباب والمهندسين وفي اثنتين وسبعين ساعة فقط أطلقنا اختراعا مستوحى من شعار مدينة نيوم، وهو عبارة عن اختراع يولد الطاقة أثناء حركة إطار السيارات المتجهة إلى مدينة نيوم".
من جهتها، قالت كريس إينس هوبكنز، المدير التنفيذي لمجلس الأعمال السعودي البريطاني، إن المملكة المتحدة عاشت مثل هذه الفترة الانتقالية في الثمانينات، فعندما استلمت تاتشر الحكم، واجهت تحديات مماثلة، في أن تزيد فعلا دور القطاع الخاص في الاقتصاد، وكانت هناك معدلات مرتفعة للبطالة حينها، وكانت هناك معارضة واسعة لهذه الخطوات. ولكن في نهاية الأمر، الناس أقروا أن إعادة هيكلة الاقتصاد كانت ضرورية، وهذا ما يحدث في السعودية، إنها إعادة هيكلة للاقتصاد التي تحتاج لسنوات، ولكن الاتجاه بات واضحا جدا. ونحن ندعم ذلك بقوة، ونرى بالفعل الكثير من الأمور الإيجابية التي تحصل مثل دور المرأة في سوق العمل والدور المتزايد للقطاع الخاص".
وكانت سارة نقلي، نائب الرئيس الأول لعمليات المصرفية الإجمالية في البنك الأهلي من أوائل السيدات اللواتي عملن في قسم عمليات الخزينة في البنك الأهلي قبل 12 عاما، وبعد سلسلة القرارات التي صدرت في 2017 ومنها القرار التاريخي في سبتمبر بالسماح للمرأة السعودية بالقيادة، ترى سارة أن الفرق بات هائلا بين أمس المرأة السعودية وحاضرها.
وتوصف سارة الحال بأنه: "اختلاف جذري! صحيح إنها فترة 10 إلى 12 سنة، لكن في نفس الوقت، أنا أول ما بدأت كنا في حدود إطار معين، نشتغل وظائف معينة، الآن.. ليس لدينا سقف للإنجازات، وليس لدينا أية حواجز توقفنا، نحن نعمل ونبدع في سوق العمل".
ويقول تيم كالين، مدير بعثة صندوق النقد الدولي للسعودية: "الآن وعندما أقوم بزيارة السعودية، فإننا نجتمع ونعمل مع عدد أكبر بكثير من السيدات مقارنة مع السابق، وأعتقد أن هذا الأمر مهم جدا. النساء هنا على مستوى عال من التعليم، ولديهن حافز، والعديدات منهن يرغبن بالعمل. هذا من شأنه المساهمة في نمو الاقتصاد وتحسين دخل العائلات".
من جهته، يقول عماد مستاق، مدير استثمار في شركة كابريكورن لإدارة الصناديق، إن السعودية "تمر بمنعطف هام جدا في هذه اللحظات. رأينا التغيير القوي في المجتمع الذي حدث على مستويات اعتبرت سابقا خيالية للكثيرين داخل السعودية وللذين يعرفونها أيضا. ما نحتاج لرؤيته في المرحلة المقبلة هو التأكد من كيفية معاملة الجميع داخل المملكة سواء كمواطنين أو كوافدين، ولكن الأهم هو تجاوز كافة الأفكار الخاطئة حول المملكة ومعرفة بأن هذه الإصلاحات هي حقيقة ومستمرة. هذه دولة تنفتح على العالم وتحاول أن تتفاعل معه. نقطة التحول الأساسية برأيي ستكون في العام 2018، بقيادة اكتتاب أرامكو".
أما الدكتورة أفنان الشعيبي، الأمين العام والرئيس التنفيذي لغرفة التجارة العربية البريطانية، فتقول إن سنة "2017 كانت مهمة بالنسبة للمملكة، لأنه رأينا فيها الكثير من التطورات خاصة في المجال الاقتصادي، المملكة في 2017 أصبحت محط أنظار العالم كافة، وصار فيه نوع من الاهتمام بأني أنا أحب أن أكون شريكك، عكس ما كان في السابق".
ويصف الدكتور أحمد الخليفي، محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي "ساما"، مكافحة الفساد بأنها من أولويات الكثير من الدول، وخطوة ضرورية بالنسبة للاقتصاد ولدفعه إلى الأمام، كما اعتبر أن مكافحة الفساد إحدى الخطوات التي ستضمن فرصا متساوية للجميع، ولا تحابي أحدا بالنسبة للفرص المتاحة، وتتلافى قضايا الفساد مثل الرشوة. وتابع: أعتقد أيضا أنها ستساعد على إعطاء المنشآت الصغيرة الفرص الأكبر، وأيضا بالنسبة للأفراد فإنه "إذا رأيت بيئة فيها فساد مستشر، الحقيقة لا يساعدك ذلك على الابتكار".
وزير المالية محمد الجدعان، قال إن "خادم الحرمين قبل توليه الحكم منذ أكثر من سنتين، كان في إعلانه واضحا أن الحكومة والملك وولي العهد ملتزمون بالقضاء على الفساد، وبتطبيق النظام على الجميع صغيرا وكبيرا"، موضحا أن مكافحة الفساد "أخذت وقتا للتحقق وجمع المعلومات، وكان الهدف منها واضحا، وهو المحافظة على المال العام"، مؤكدا أن الهدف منها أيضا خلق بيئة عادلة تمكن المتنافسين بعدالة وكفاءة، وخلق بيئة تدعو المستثمرين للقدوم إلى المملكة سواء المحليين أو الدوليين".
أما تيم كالين، رئيس بعثة صندوق النقد الدولي للسعودية فقال: "أعتقد أن ما ينظر إليه المستثمر الأجنبي هو تحسن شامل لبيئة الاستثمار في السعودية، وتحسين بيئة الأعمال في المملكة، وتحسين كفاءة الحكومة، والارتقاء بموهبة وتدريب الموظفين الحكوميين، وتحسين حوكمة الشركات، وتطبيق استراتيجية قوية وشفافة لمكافحة الفساد".
ويقول يوسف البنيان، الرئيس التنفيذي لشركة سابك، إن جميع رؤساء الشركات على مستوى العالم الذين نلتقي بهم في هذه المؤتمرات، أو من خلال الأعمال التي تقوم بها سابك، متطلعون جدا على الدخول للسوق السعودي، يتلمسون الفرص، مؤكدا أن الكثير من الشركات تتواصل مع الشركات السعودية لمعرفة كيف يمكن أن يكون لها جزء من هذا النمو، وكيف يكون لها دور كبير جدا للاستفادة من هذا التحول في المملكة العربية السعودية.
ويؤكد الدكتور أحمد الخليفي، محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي "ساما" "أن الاحتياطيات جدا كافية، وتفي بغرض تقريبا 40 شهرا من الواردات، فهذه جدا كافية ومريحة ولله الحمد، موضحا أنه لا يوجد قلق بالنسبة للاحتياطيات، ونعتقد أن الخطوات التي اتخذت من وزارة المالية ومن المخطط الاقتصادي بالنسبة لبرنامج التوازن المالي وبرنامج الاقتراض وبالنسبة للانضباط بالنفقات وبالنسبة أيضا للشفافية في نشر بيانات المالية العامة ساهمت في الحقيقة بالتخفيف من السحب من الاحتياطيات".
وبسبب قوة المركز المالي للمملكة، يقول الخليفي: "لا نحتاج الحقيقة الآن أن نستخدم الاحتياطيات للدفاع عن سعر الصرف، لأنه أي مضارب عندما يرى الاحتياطيات وحجم الاحتياطيات لا يمكن أن يقدم على محاولة المضاربة على الريال السعودي في الوقت الحالي. حصلت هذه في بداية 2016 عندما انخفضت أسعار النفط إلى 30 دولارا أو أقل، حصلت محاولات على مضاربات، ولكن ترى لم تتدخل المؤسسة فعلا للدفاع، إنما أصدرنا بيانات بأننا مستمرون على سياسة سعر الصرف كما هي ولا تغيير ولا مجال للتغيير.. هذه حقيقة أعطت رسالة واضحة أن المملكة العربية السعودية مستمرة بسياسة سعر الصرف".