في لقاء ترمب وكيم، شيء من صناعة التاريخ، وشيء من صناعة التسلية... فالأول يعيد اختراع أسلوب الوظيفة التي اسمها رئيس أميركا، والثاني يقيم منذ سنوات على الحدود بين الواقع والخيال، فالثقافة الحديثة المعولمة جعلت منه شخصية درامية أو سينمائية، هذا للخارج طبعا، لأن الكوريين الشماليين في الداخل يعيشون دراما حقيقية، ومن دون سينما.
إنها قمة القرن... هكذا يسمونها في عالم السياسة، لكن في عالم تلفزيون الواقع، إنها مونديال ما قبل المونديال، وأضخم فيلم في ليلة إطلاقه... ولقاء القمة بين نجمين حقيقيين شاهد العالم جولات المصارعة النووية بينهما، وتحمس لمشاهدة المصافحة بينهما فوق ركام سبعين سنة من الكراهية.
بين نيكسون وترمب، وبين ماو وكيم
لكن في قلب كل الاستعراض، كان هناك أيضا أمل للبشرية بقدرة الدبلوماسية على إسكات أصوات الصواريخ، إذ ترددت في سنغافورة أصداء زيارات وقمم غيرت بالفعل مسار التاريخ.
عام 1972، زار الرئيسُ الأميركيُّ نيكسون الصين بعد خمسةٍ وعشرين عاماً من الانقطاع التام للعلاقات. لم تكن مصافحة ُ نيكسون وماو تيسي تونغ أقل من زلزالٍ سياسي.. يقول الأميركيون إنها قد تكون أهم زيارةٍ لرئيس أميركي على الإطلاق. وبعد تلك الزيارة بدأ اندماجُ الصين في النظام الاقتصادي العالمي. ربحت أميركا جولة لكنها فتحت الباب في نفس الوقت للماردِ الأكبر.
وعام 1979، زار بابا الفاتيكان الراحل يوحنا بولس الثاني وطنه الأم بولندا التي كانت تحت الحكم الشيوعي الملحد... ثم زار الزعيمُ السوفياتي الأخير ميخائيل غورباتشوف أميركا عام 1987... ويُعتقدُ أنَّ الزيارتين أسستا لانهيارِ الاتحادِ السوفياتي الذي كان يظنه كثيرون أبديا.
قد لا ترقى قمة ترمب وكيم إلى زيارةِ نيكسون للصين، لكنها جزء من عالم يقولُ البعضُ إنه متغير.. فالأسرة ُ الغربية متخاصمة، والساحة الحمراء تهدر مجددا، والصين تضبط الإيقاع في آسيا وإفريقيا، وترمب يقول إنَّ رئيسَها صديقه المفضل... البعض يقول إنه نظام عالمي جديد، وآخرون يقولون إنه لا نظام عالميا جديدا.
دبلوماسية الطعام
وفي قمة سنغافورة، جانب يحيي أقدم دبلوماسية في العالم. دبلوماسية الطبق. جلس الزعيمان حول مائدةِ الطعام... قائمة الأطباق خلت من الخياراتِ المفضلة للزعيمين، فترمب يحب شرائح اللحم مع الكاتشاب، وسبق أن قدمها له السعوديون في قمته مع العالم الإسلامي في الرياض، وكيم يحب العصيدة الباردة، والطعام الفرنسي.
مهندسو القمة اختاروا تقديم طبق الخيار المحشي بلحم البقر، وهو طبقٌ من عصرِ أسرة جوزيون التي حكمت كوريا الموحدة نصفَ ألفيةٍ من الزمن.
كل شيء في طعام القمم يحمل دلالات. الطعام غيّر مسار القمم والتاريخ مراراً.
في 1979، كانت المفاوضاتُ ساخنة بين مارغريت ثاتشر والرئيس الفرنسي جيسكار ديستان في باريس حول تمويل الاتحاد الأوروبي. عندما حان وقتُ العشاء، حرص الرئيسُ الفرنسي على الانتقال إلى المائدة لأن العشاءَ مقدّسٌ في فرنسا، فرفضت السيدة الحديدية، واستمرت المفاوضاتُ، وتنازل الرئيسُ التواقُ للعشاء في الدقائق المقبلة عن كل شيء لثاتشر.
وعام 1992، دخل جورج بوش الأب التاريخ عندما تقيأ على مضيفِه رئيس الوزراءِ الياباني.. رسميا، وجه اللوم لفيروس الأحشاء، إلا أن بوش لم يُعجبه على الأرجح طبق السمكِ النيئ.. الحادثة أضرت بنظرة اليابانيين لأميركا لسنوات طويلة.
وبعد ذلك أولم أوباما للرئيس الفرنسي السابق هولاند وقدم له الكافيار... تحول العشاءُ إلى كارثةٍ لهولاند في بلادِه حيث يتهمه معارضوه منذ سنواتٍ بأنه يُمثل ما يُسمونه يسار الكافيار، أي اليسار الغني غير المتعاطف مع الفقراء.
وفي 2015، وبعد عشرين شهراً من المفاوضاتِ غيرِ المثمرة، قرر المفاوضون الإيرانيون دعوة نظرائهم الأميركيين لعشاءٍ فارسي، جلس الطرفان معا حول المائدة للمرةِ الأولى، ووُلدَ الاتفاقُ النوويُّ بعد أيام فقط، ليموت عمليا بعد ثلاث سنوات، بعيداً عن الموائد.
المقولة الشهيرة تقول: "الانتقام طبق يقدم بارداً"، ورغم ذلك، الطعامُ يُقرّبُ البشرَ أياً كانوا.. في المنزل، أو حول مائدةِ الإفطار، أو على طاولاتِ قيادةِ العالم.