نشرت قناة السي أن أن تقريراً عن مدير الاتصالات السابق في البيت الأبيض، أنتوني سكاراموشي، أكدت فيه على علاقات واستثمارات تربطه مع الروس، وجزمت بأنه اجتمع بكيريل دميترييف، رئيس صندوق الاستثمار الروسي. تقريرها اعتمد بالكامل على مصادر مجهولة سرَّبت لها المعلومات السرية. ولكن المصادر المجهولة كانت كاذبة، والقصة بكاملها مختلقة ما اضطر المحطة للاعتذار علناً وطرد المحررين المسؤولين عن نشرها.
هذه مجرد واحدة من القصص الصحافية المبنية على مصادر مجهولة بالكامل، أو كما يقال مصادر لا تريد الكشف عن نفسها، ولكنها مفبركة بالكامل. وهي في الواقع ليست جديدة ولكنها زادت في السنوات الأخيرة.
واحدة من أهمها تعود لصحافي شاب موهوب اسمه جيسون بلير، يعمل في صحيفة النيويورك تايمز. كتب قصصاً مذهلة عن عالم الجرائم والجنود الأميركيين العائدين من العراق. بأسلوبه البارع حول الكلمات إلى صور متسارعة كفيلم ولكن في مخيلة القارئ. تسمع أنين الجرحى وأنفاس المحتضرين. تحضر بذهنك وسط الجنود المقطعة أطرافهم الخائفين حتى بعد عودتهم من رصاص القناصة وتهتز لنحيب الأمهات. قصص أخرى عن تحقيقات للشرطة واعترافات المذنبين وشهادات المحامين. يصور فيها وجوه المجرمين القاسية وقطرات دم الضحايا على ملابسهم. حصل على أشرطة خاصة وكشف أسرارها ومشاهدها المروعة، حتى إنه دخل في عقول شخصياته وسرد أحلامهم في النوم وآلامهم في اليقظة. عرض مذهل ولكن يعيبه شيء واحد وهو أنه ألَّف هذه القصص وهو لم يخرج من شقته في نيويورك ولم تطأ قدمه أرض المدن التي قال إنه زارها. بخياله المبدع والمريض بذات الوقت فبرك كل شيء وخلق أحداثاً وشخصيات من العدم. طردته الصحيفة بعد أن اكتشفت الحقيقة الصادمة بعد أن نشرت له 36 فضيحة على هيئة قصة صحافية.
هناك أحداث أخرى مشابهة. جايك كايلي، صحافي في صحيفة اليو أس توداي، كتب قصصاً مفبركة لأكثر من 10 أعوام، معتمداً على مخيلته السينمائية وذمته الواسعة.
وصحيفة النيويورك تايمز اضطرت للاعتذار بعد أن نشرت موضوعاً مجهول المصدر عن علاقة غرامية جمعت المرشح جون ماكين بامرأة تعمل في أحد اللوبيات. موضوع حساس وخطير نشر على ذمة مصدر مجهول، ليتضح أنه لا يوجد قصة عشق محرمة من الأساس. ولا ننسى طرد المذيع المشهور دان راذر بعد أن نشر وثيقة عن تهرب الرئيس بوش الابن من حرب فيتنام، ولكن الوثيقة كانت مزيفة.
ولكن القصص المختلقة أو الضعيفة التي تعتمد على مصادر مجهولة زادت في الأعوام الأخيرة لأكثر من سبب. الكسل أحدها وتراجع المعايير المهنية، حيث من السهل أن تنشر تقريراً كان قبل سنوات قليلة يرمى في سلة المهملات، وقد يعود ذلك لضغط العمل والسعي للنشر بسرعة وكثافة من أجل المنافسة والبقاء على قيد الحياة مالياً. سبب آخر طغيان صحافة الرأي على الخبر ما يجعل كاتب التقارير يدفع الموضوع في اتجاه هواه الأيديولوجي، لتخرج في النهاية بتقرير مليء بالتحليلات والآراء والانطباعات الشخصية، ولكن بلا حقائق موثوقة وصلبة. وسبب إضافي وهو اختلاط المصالح في الصحافة، حيث يمكن أن نقرأ تقارير ونرى بصمات من يقف خلفها.
ومؤخراً نشرت وكالة الأنباء رويترز تقريراً عن طرح شركة أرامكو للاكتتاب لا يخرج عن هذا النوع من الصحافة الضعيفة، حتى من قبل جهات مرموقة. تبحث في التقرير عن مصدر واسم معروف وموثوق ولا تعثر إلا على تخرّصات وحكايات مختلفة بلا مصادر ولا وثائق أو معلومات.
السؤال الذي يطرح هنا: هل تتجاهل الصحافة المصادر المجهولة؟ بالطبع لا، فجزء من عمل الصحافي أن يتحدث مع أسماء لا تريد أن تظهر بالصورة لأسبابها. ولكن هذا يحدث بين وقت وآخر حتى لا تضعف من مصداقية الوسيلة الإعلامية ولكن ما نراه الآن هو الاعتماد بالكامل على مصادر مجهولة أو تحليلات شخصية تصب في خط واحد. أضف إلى ذلك أنه لا يتم تأكيد أو تحدي رواية المصدر المجهول، ولكنها تمر عبر كل البوابات المفتوحة في غرفة الأخبار وتظهر على الشاشات أو صدر الصحف والمواقع. الخطأ لا يتوقف هنا فقط بل يستمر لأنه من الصعب بعد ذلك إثبات أن المصدر المجهول على خطأ، لأنه مجهول الهوية ولم يقدم وثائق أو يدفع إلى اعترافات وتحقيقات معينة تؤكد صحة موقفه، بعكس ما حدث في فضيحة ووتر غيت التي اعتمدت على المصدر المجهول "الحنجرة العميقة"، ولكنه قاد لتحقيقات جدية انتهت باستقالة الرئيس نيكسون. الآن صحافة المصادر المجهولة تسرد حكاية يَصعب التثبت منها أو نفيها وتحصل على "الرتويت" المطلوب وتبحث بعد ذلك عن قصة أخرى مجهولة المصدر وهكذا.