يمكن أن يتعرض أفراد تابعون لجهاز مخابرات أي دولة في العالم للوقوع في أخطاء، ولكن فيما يبدو أن عام 2018 هو بمثابة موسم العرض المفتوح على مسرح مكشوف للمخابرات العسكرية الروسية. وشهد الأسبوع الجاري كشف العديد من أساليب التخفي وأساليب إدارة الأعمال الداخلية للجهاز العسكري الروسي مجددا، مما زاد من حماسة الصحافيين ومعارضي الكرملين لفضح المزيد من أسرار جهاز المخابرات العسكرية الروسي، الذي تغير اسمه ولكنه مازال يشار إليه اختصارا بــGRU.
وأظهر تقرير جديد، أعده الصحافي الروسي سيرغي كانيف، مزيدا من التفاصيل تتضمن مزاعم سوء السلوك وقرارات بيروقراطية غريبة داخل جهاز المخابرات العسكرية الروسي، وكذلك ثغرات أفسحت المجال للصحافي كانيف لرصد هوية عناصر سرية، يزعم أنهم ضباط بالمخابرات العسكرية الروسية، بحسب ما نشرته صحيفة "واشنطن بوست".
مهام التجسس التقليدي
وأكد كانيف أن الغرض من تقريره الصحافي هو لفت الانتباه إلى وجود مشاكل داخل GRU، الذي يسود اعتقاد أنه انتقل من ممارسة أنشطة التجسس التقليدي إلى القيام بأعمال عنف بلا ضوابط، بالإضافة إلى التدخل في شؤون دول أخرى.
ويتزامن التقرير مع قيام حكومات العديد من البلدان بالتلميح، أو الاتهام الصريح، إلى تورط عملاء GRU في هجوم بغاز الأعصاب في مارس/آذار الماضي ضد جاسوس روسي سابق في بريطانيا، وفي القيام باختراق الحملة الانتخابية الرئاسية للولايات المتحدة الأميركية عام 2016، فضلا عن التورط في إسقاط طائرة ماليزية، وتعطيل جهود مكافحة تعاطي الرياضيين للمنشطات.
ومن جانبها، تنفي السلطات الروسية هذه الاتهامات، وتصفها بأنها جزء من حملة تشهير عالمية.
سرقة وإطلاق نار
وذكر كانيف أنه تمكن من التعرف على هوية 3 عملاء سريين بعد تقديمهم بلاغات إلى الشرطة عن سلع مسروقة، وتم تتبع هوية الضباط الثلاثة من خلال البحث في قوائم البيانات والمعلومات، حيث أمكن التحقق من الأسماء والوصول إلى عناوين محال إقامتهم ومعلومات أخرى عنهم، علاوة على التعرف على هوية عميل مخابرات آخر بعد إلقاء القبض عليه خلال تبادل لإطلاق النار في أحد المقاهي.
مجمع دار المسنين
ويقول التقرير أيضا إن وزارة الدفاع الروسية سعت إلى إخفاء هوية العشرات من أبناء من يُزعم أنهم من ضباط المخابرات العسكرية، الذين يعيشون في مجمع سكني في موسكو، عن طريق إضافة 100 عام إلى أعمارهم في السجلات الإدارية، حتى إن رجال المخابرات العسكرية أنفسهم كانوا يمزحون معاً بهذا الشأن وكانوا يطلقون عليه اسم "دار كبار السن".
والأكثر طرافة أن هذا الأسلوب تم فضحه بطريق الصدفة البحتة عندما أصدرت هيئة المعاشات والتقاعد تنبيهات لدى ملاحظة كثرة عددية مبالغ فيها بغرابة للمقيمين الطاعنين في السن بهذا المجمع السكني تحديدا، واشتبه موظفو الهيئة في أنها محاولة احتيال للحصول على معاشات تقاعد وتم فضح الأمر قبل أن يتبين لهم أنه وسيلة تخفي مخابراتية لأبناء ضباط الـGRU.
سوق سوداء لمعلومات سرية
وأضاف الصحافي الروسي كانيف، الذي يعيش في منفى اختياري في إحدى الدول الأوروبية، في تصريح لوكالة أنباء أسوشيتيد برس حول تفاصيل تضمنها تقريره الصحافي، أنه تم كشف الهويات عن طريق استخدام قواعد للبيانات مشتراة من السوق السوداء بواسطة عناصر في شرطة موسكو أو شرطة المرور، أو عناصر أمنية أخرى.
وتم تمويل إعداد تقرير كانيف ونشره من خلال "مشروع الدوسيه"، الذي يتبناه ويديره المعارض الروسي ميخائيل خودوركوفسكي، المعروف بآرائه العدائية ضد الكرملين. كما تم إذاعة تفاصيله أيضًا عبر محطة التلفزيون المستقلة الروسية Dozhd TV.
سلسلة من الخروقات
ونشرت المخابرات البريطانية الشهر الماضي صور مراقبة لبعض عملاء المخابرات العسكرية الروسية، المتهمين بشن هجوم مارس/آذار الماضي ضد جاسوس روسي سابق وابنته في سالزبوري.
كما أعلنت السلطات الأمنية الهولندية مؤخراً عن التوصل إلى هوية 4 عناصر، يُزعم أنهم عملاء سريون، تابعون للمخابرات العسكرية الروسية، حاولوا اختراق شبكة Wi-Fi تابعة للمنظمة الدولية لحظر الأسلحة الكيميائية أثناء تواجدهم في موقف انتظار سيارات بأحد الفنادق القريبة من مقرها في لاهاي.
وعلق مايكل كوفمان، الخبير في الشؤون العسكرية الروسية في مركز وودرو ويلسون الدولي في واشنطن، قائلا إن كل هذه الوقائع تجعل الأمر يبدو كأن ضباط المخابرات العسكرية الروسية لا يجيدون القيام بأعمالهم.
تعرية روسيا
وفي مقابلة مع وكالة أسوشيتيد برس، قال كانيف إنه تمكن من كشف هوية 16 ضابطًا، مثل أناتولي شيبيغا، أحد الضباط الروس الذين يُشتبه في قيامهم بالمشاركة في محاولة اغتيال جاسوس المخابرات الروسية المتقاعد سيرجي سكريبال في سالزبوري. ولكن لم يقم كانيف بنشر أسمائهم، مكفيا بالإشارة إلى أن تمكنه من كشف سرية الغطاء لهذا العدد الكبير من ضباط المخابرات يعد مؤشرا على تردي الأوضاع بشدة.
وحذر كيير غايلز، مدير مركز أبحاث دراسات النزاعات في كامبريدج بإنجلترا، من أن كشف الجواسيس الروس الذين لا يوجد بشأنهم اتهامات بارتكاب مخالفات خطيرة، يُعرَّض الصحافي الروسي كانيف وداعميه، على رأسهم "المنشق خودوركوفسكي"، إلى الوقوع تحت طائلة اتهامات أو انتقادات بأن غرضهم إلحاق الضرر بروسيا وليس الإصلاح ولفت الأنظار إلى موطن الخلل".
وأضاف غايلز أن الكشف عن هوية عناصر سرية يسلط الضوء على شعور بين العاملين في وكالات الاستخبارات الروسية بأنهم "فوق القانون" ويمكن أن يعزز وجهة نظرهم بأن "الاتصالات بصفة عامة وحرية الوصول إلى المعلومات على نطاق واسع" يشكلان تهديدا للأمن القومي.
وفي غضون ذلك، لن تؤدي زخات التسريب المتعمد من حين لآخر، إلا إلى مجرد الإساءة لسمعة جهاز مخابرات GRU، لكنه لن يثني منسوبيها عن ارتكاب الأفعال البغيضة.