خلال خمسينيات القرن التاسع عشر، اتجهت اليابان لفتح موانئها تدريجيا أمام القوى الأجنبية، واضعةً بذلك حداً للسياسة الانعزالية التي أرستها منذ نحو قرنين من الزمن، وقد جاء ذلك عقب الحملة التي قادها الأميرال الأميركي ماثيو كالبريث بيري (Matthew Calbraith Perry) ما بين عامي 1853 و1854 والتي أجبرت اليابانيين على القبول بمعاهدة كاناغاوا. وبناءً على هذه الاتفاقية، سمح اليابانيون للأميركيين باستخدام ميناءي شيمودا (Shimoda) وهاكوداته (Hakodate) ووعدوا بتقديم الدعم اللوجيستي للسفن الأميركية، التي تبحر بالمنطقة وحماية طواقمها. فضلاً عن ذلك، وضعت هذه الاتفاقية حجر الأساس لبداية العلاقات الدبلوماسية الأميركية اليابانية.
بعد مضي قرابة 6 سنوات، أرسلت اليابان بعثة دبلوماسية من الساموراي نحو الولايات المتحدة الأميركية لتقديم معاهدة صداقة وتجارة للرئيس الأميركي جيمس بيوكانان (James Buchanan). وقد تضمّن الوفد الياباني أكثر من 70 فرداً كان من ضمنهم 3 سفراء من كبار الدبلوماسيين، إضافة لعدد من المترجمين والأطباء والحرس والخدم.
خلال تلك الفترة، حقق الوفد الدبلوماسي الياباني المرسل نحو الولايات المتحدة الأميركية سابقة فريدة من نوعها بتاريخ البلاد. فمنذ إرساء السياسة الانعزالية بالبلاد منتصف القرن السابع عشر أثناء عهد شوغونية توكوغاوا، مُنع اليابانيون من مغادرة البلاد، وبسبب ذلك اعتُبر هؤلاء الدبلوماسيون أوّل من غادر الأراضي اليابانية نحو بلاد أجنبية منذ أكثر من 200 عام. وقبل بداية رحلتهم، تلقى الوفد الدبلوماسي الياباني أوامر صارمة بعدم الاحتكاك بالأميركيين وتوخي الحذر والاكتفاء بإنجاز مهمتهم.
غادرت البعثة الدبلوماسية اليابانية الوطن خلال شهر شباط/فبراير سنة 1860 على متن سفينتين كانت أولهما السفينة اليابانية كانرين مارو (Kanrin Maru) هولندية الصنع، أما الثانية فكانت السفينة الحربية الأميركية يو أس أس بوهاتان (USS Powhatan) وقد سلكت كل منهما مسلكا مختلفا، حيث توقفت يو أس أس بوهاتان لوهلة بجزيرة هاواي، بينما اتجهت كانرين مارو مباشرة نحو مدينة سان فرانسيسكو.
حل اليابانيون بسان فرانسيسكو في حدود يوم 29 من شهر آذار/مارس سنة 1860، وهنالك التقط المؤلف والمترجم الياباني فوكوزاوا يوكيتشي (Fukuzawa Yukichi) صورة تاريخية مع فتاة أميركية تدعى ثيودورا أليس شيو (Theodora Alice Shew). وبعد مكوثه بها لأيام عديدة، غادر الوفد الياباني سان فرانسيسكو ليواصل رحلته نحو الساحل الشرقي الأميركي مستقلا القطار.
يوم 14 من شهر أيار/مايو من نفس السنة، بلغ الوفد الياباني العاصمة واشنطن حيث تجمهر ما يقارب 5000 شخص لاستقبالهم، فضلاً عن ذلك اتجه عشرات الآلاف من الأميركيين لتسلق الأشجار واعتلاء أسطح المنازل والمباني العالية لمشاهدة اليابانيين أثناء عبورهم للشوارع باتجاه فندق ويلارد (Willard’s Hotel).
لاستقبال ضيوفه اليابانيين، خصص الكونغرس الأميركي ميزانية قدرت بحوالي 50 ألف دولار، تضمنت كامل تكاليف الإقامة والسفر. من جهته، ذهل الوفد الياباني خلال زيارته للمدن الأميركية حيث شاهد هؤلاء لأول مرة الأضواء التي كانت تنير الشوارع ليلا ونظام تطهير المياه المتقدم وأعجبوا بآلة البيانو الموسيقية، وفي المقابل تشاءم اليابانيون من الطعام الأميركي واعتبروه مقززا. أيضا، سلّطت الصحف الأميركية الضوء على الوفد الياباني وخاصة على الشاب ذي 17 سنة تاتيشي أونيجيرو (Tateishi Onojiro) والذي لقّبوه حينها بتومي (Tommy). وبادئ الأمر، رفض الوفد الياباني عمليات تصويره من قبل الصحافيين بسبب عدم تواجد مثل هذه العادات ببلادهم. لكن بمرور الأيام، وافق اليابانيون على الوقوف أمام عدسات الكاميرا لتلتقط لهم العديد من الصور التاريخية الفريدة من نوعها.
التقى الوفد الياباني مرات عديدة بالرئيس الأميركي، جيمس بيوكانان، كانت أبرزها يوم 17 أيار/مايو سنة 1860 وخلالها تبادل الطرفان الهدايا حيث منح الرئيس بيوكانان ساعة ذهبية لضيوفه كهدية منه لشوغون اليابان، فضلاً عن ذلك قدّم اليابانيون أقمشة فاخرة وسيوفا للرئيس الأميركي.
أواخر شهر حزيران/يونيو سنة 1860، غادر الوفد الياباني الأراضي الأميركية ليواصل رحلته شرقا على متن إحدى السفن الأميركية قبل أن يعود خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر من نفس السنة نحو الأراضي اليابانية ليواجه العديد من أفراده تهما باعتماد أسلوب حياة غربي واعتناق المسيحية. في غضون ذلك، اعتبرت هذه الزيارة مهمة حضارية غير مسبوقة فلأول مرة منذ 200 عام غادر اليابانيون حدود وطنهم، كما عرفت هذه الرحلة التقاط أولى الصور للساموراي. أيضا، جاءت هذه الزيارة الدبلوماسية خلال فترة تاريخية مهمة فبعد أقل من عام اندلعت الحرب الأهلية الأميركية. من جهتها، شهدت اليابان تغيرا جذريا بعد نحو 17 عاما فقط، بفضل إصلاح ميجي (Meiji Restoration).