هل دخلت العلاقات بين المملكة العربية السعودية وجمهورية كوريا الجنوبية مرحلة جديدة تدشن نوعا من أنواع الروابط الاسراتيجية، تلك التي تستشرف تحديات الواقع، وآفاق المستقبل؟
أغلب الظن أن ذلك وكذلك، ومن هنا يأتي الحديث عن الزيارة المهمة التي يقوم بها الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد إلى كوريا الجنوبية، تلبية للدعوة الرسمية من رئيس الدولة "مون جاي إن".
ما الذي يستوقفنا في قراءة هذه الزيارة ودلالاتها، معانيها ومبانيها، وقادم أيام العلاقات الثنائية بين المملكة بما تمثله من ركيزة استقرار على كافة الأصعدة في موقعها وموقعها الدولي من ناحية، وكوريا الجنوبية بوصفها تجربة ناهضة ورائدة، استطاعت أن تدرك المعضلة الصعبة، أي الجمع بين الأصالة والمعاصرة، الحداثة والحفاظ على الجذور .
يضيق المسطح المتاح للكتابة عن سردية النجاحات في كوريا الجنوبية، غير أنه إن جاز لنا أن نختصر بغير إخلال، نقول إن سر نجاعة تلك التجربة يتمحور في العملية التعليمية، تلك التي صنعت الإنسان الكوري القادر على تسخير الطبيعة القاسية، وتطبيعها لصالح نهضة تقترب اليوم في نجاحاتها من نظيرتها اليابانية.
قبل ستة عقود كانت نسبة غير المتعلمين في كوريا الجنوبية تصل إلى 80% من تعداد السكان، واليوم تكاد الأمية أن تختفي من دروبها بعد أن كرست 20% ممن موازاناتها السنوية على التعليم والتعلم، وبلغ إيمانها بأهمية العملية التعليمية والعنصر البشري في سويداء القلب منها، أن غيرت اسم الوزارة القائمة على هذا الشأن لتضحى وزارة "التربية والموارد البشرية"، باعتبار أن الاستثمار في البشر هو الطريق لبناء حضارة إنسانية، تستطيع أن تشكل الحجر كيفما تريد.
الذين لديهم علم من كتاب جغرافية كوريا الجنوبية، يدركون كم هي وعرة تضاريس ذلك البلد الجبلي في غالبه، وحتى سواحله صخرية شديدة الانحدار، ناهيك عن المناخ القاري، فيما أبعادها الديموغرافية تاريخيا مؤلمة، فقد لاقت صعوبات جساما من خلال خضوعها للسيطرة اليابانية طوال خمسة وثلاثين عاما، ومع ذلك حققت مستوى من التنمية والتقدم الصناعي والتكنولوجي، جعلها محط الأنظار ومبلغ آمال الأشقاء في كوريا الشمالية، الذين لم توفر لهم صواريخ "كيم أون" رغيف الخبز، ولا رفاهية السيارة الكورية، أو مبردات المنازل.
يلفت الانتباه أن المملكة في هذه الآونة وهي سائرة إلى الأمام في تنفيذ استراتيجية ورؤية 2030 على الأرض، تجعل كذلك من العنصر البشري الإشكالية والقضية، وتعمد إلى مسح الغبار عن الإنسان في داخل دولة لها حضارة وتاريخ، وتفاعلات خلاقة على مدار العقود الغابرة، ناهيك عن دورها الإيماني والديني الوسطي والمستنير، البعيد كل البعد عن الغلو والتطرف.
الإنسان الذي صنع التجربة الكورية الفائقة نجاحاتها، هو عينه في المملكة القادر على الأخذ بزمام المبادرة إلى أعلى عليين في سماوات المملكة العربية السعودية، ومن حسن الطالع أن رؤية الأمير محمد بن سلمان تضع معارج للترقي على كافة منحنيات الحياة بما يفتح آفاق التعاون مع ذلك البلد الآسيوي الناجح في مجالات مثل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، بالإضافة إلى الرعاية الصحية وعلوم وتكنولوجيا الدفاع.
الشراكة المستقبلية بين كوريا والمملكة تسنتهض فكرا وثقافة حديثة تضع نصب عينيها عملية التنمية بوصفها صبغ الإنسان المعاصر بصبغات العصر وأدواته وآلياته، من خلال مزيج من الإبداع الواعي، والتطوير الخلاق، وعبر بوتقة من الانصهار الوطني.
تجربة الانفتاح التي تعيشها المملكة الآن، تتيح في واقع الأمر مسارب من الأمل للتلاقي مع شعوب وحضارات العالم، والاستفادة من المقدرات الإيجابية والتي رفعت شعوبا آمنت واعتقدت شكلا ومضمونا طولا وعرضا أنه لم يعد الآن زمن الجدران، بل أوان بناء الجسور، وأن النجاحات المحققة في رقعة من الأرض، باتت من أجل خدمة بقية البشر في كافة اصقاع المسكونة، وأن الأفكار في زماننا هذا تطير بلا أجنحة، لا تقف في وجهها سدود أو حدود.
حين نقول إن العلاقة بين المملكة وكوريا الجنوبية علاقة استراتيجية، فإننا لا نغالي، سيما وأن "سيول والرياض" قد حافظتا بنجاح وعبر ما هو أكثر من خمسة عقود على تعاون مستدام، شاركت فيه كوريا الجنوبية بخبراتها ذات الاستنارة، والبعيدة كل البعد عن الصراعات الأيديولوجية، أو المناوشات الدوجمائية، في لعب دور رئيسي في تطوير البنية التحتية في المملكة.
وعلى الجانب الآخر كان النفط السعودي عامل وفاق واتفاق، وأضفى الكثير جدا من القيمة على صناعات كوريا ونهضتها الكبرى، عبر تدفقه بانتظام في شرايين الاقتصاد الكوري.
التوجه إلى الشرق الفنان والخلاق، يعني قراءة سياسية استشرافية ناجحة من قبل المملكة، حيث قلب العالم الجديد هناك، وحيث الأنظار موجهة إلى "أوساكا" في الأيام القليلة القادمة.
وحين يتم توقيع عشرات الاتفاقيات بين الهيئة العام للاستثمار السعودي، وشركات كوريا الجنوبية، ما يتيح لها توسيع أعمالها في المملكة، فإن واقعا جديدا يتبلور لخدمة الإنسان في كلا البلدين في الحال والاستقبال.