"عند وصوله إلى أوساكا لحضور قمة مجموعة الـ20، ظهر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي تضاءلت شعبيته إلى حد كبير، أضعف من أي وقت مضى وسط نظرائه العالميين. ويحضر أردوغان إلى أوساكا هذه المرة عقب تعرضه لنكسة مذلة في انتخابات اسطنبول، مصحوبة بأول ركود اقتصادي في بلاده منذ عقد، وتوتر شديد في علاقات أنقرة مع الغرب"، بحسب مقال الصحافي المتخصص بشؤون الشرق الأوسط والعالم الإسلامي بوبي غوش في "بلومبيرغ".
وتواجه تركيا احتمالية فرض عقوبات لتحدي حلفائها في الناتو من خلال شراء معدات عسكرية روسية، ويهدد الاتحاد الأوربي بتجميد مفاوضات الاتحاد الجمركي، بسبب أنشطة تركية للتنقيب والحفر في شرق البحر المتوسط.
لقاء الفرصة الأخيرة
ويمكن وصف اجتماعه مع الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، سيكون أردوغان في صالون الفرصة الأخيرة الجيوسياسي، حيث من المرتقب أن يؤدي الوصول الوشيك لأنظمة الدفاع الصاروخي الروسية طراز S-400، التي اشترتها تركيا إلى حدوث تبعات من المحتمل أن تسبب المزيد من الألم للاقتصاد التركي، وأن تقود علاقات الناتو إلى نقطة الانهيار.
أما بالنسبة لترمب، فيعد هذا اللقاء بمثابة فرصة أخيرة، لاستقطاب تركيا بعيداً عن النفوذ الروسي المتعمق، واستعادة موقعها في التحالف.
كما سيرغب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الاستفادة من حالة الهشاشة الجديدة للرئيس التركي، وإن كان ترمب يملك حججا أفضل.
ولا ينبغي أن يحتاج الرئيس التركي إلى تذكير بما ستخسره تركيا إذا قامت باستلام وتركيب بطاريات الصواريخ الروسية الصنع، حيث إن الولايات المتحدة ستوقف تسليم 100 طائرة مقاتلة من طراز F-35، وتنهي مشاركة تركيا في تصنيع أجزائها، وربما سيجري فرض عقوبات جديدة على الاقتصاد التركي المترنح بالفعل.
عواقب ملعونة
لكن أردوغان وضع نفسه في زاوية، عندما أصر على المضي قدماً في شراء S-400، مما سيجلب على بلاده عواقب ملعونة. بعد أن عانى من التردي السياسي الأكثر خطورة منذ سنوات، فربما يكون مكرها على عدم التراجع عن الصفقة كي لا يبدو ضعيفاً. لذا، بدلاً من تكرار التهديدات، ينبغي أن يركز ترمب على إعطاء أردوغان وسيلة للتراجع مع حفظ ماء الوجه.
"حل قبرص"
إن الخيار الأسهل هو ما يمكن تسميته "حل قبرص". في أواخر التسعينيات، اشترت الحكومة القبرصية، المدعومة من اليونان، نظام الدفاع الصاروخي الروسي S-300، ما أدى إلى نشوب أزمة في الناتو. وهددت تركيا، تحت ذريعة أن طائراتها ستكون ضمن مدى الصواريخ، بشن ضربات عسكرية إذا تم تركيب الأنظمة، فيما كان سيؤدي بدوره إلى المخاطرة بالسلام الدقيق بين تركيا واليونان العضوين في الناتو.
في نهاية المطاف، تم نقل نظام S-300 إلى جزيرة كريت اليونانية، بفضل الوساطة الأميركية، بعيداً بما يكفي عن أي تهديد للطائرات التركية. وهكذا، حصلت روسيا على أموالها، وتم استعادة السلام بين أنقرة وأثينا.
ولكن تعتبر صفقة S-400 التركية أكثر تعقيداً، حيث إنها لا تمثل خطرا على مجرد عضو واحد في حلف الناتو، ولكن تهدد أمن التحالف بأكمله. ويمكن للمنظومة الصاروخية الروسية أن تمنح موسكو القدرة على جمع معلومات حيوية عن مقاتلات الجيل الجديد مثل F-35، مما يجعلها أقل فعالية ضد بطاريات الصواريخ الروسية. وبالتالي، لا يمكن ببساطة نقل منظومة S-400 إلى بعض مواقع الناتو الأخرى.
تخزين الشحنات لدى الناتو
ولكن ما يمكن أن تفعله تركيا، هو استلام شحنات المنظومة الدفاعية وعدم تثبيت أو تشغيل أي أجزاء منها على الإطلاق. إذا التزم أردوغان بتخزين منظومة الدفاع الصاروخي S-400، ربما في إحدى قواعد الناتو في تركيا، يمكن أن يعد هذا الإجراء كفيلاً بمنع أي تهديد لأمن حلف الناتو. وهكذا ستحصل روسيا، مثلما حدث في حالة قبرص، على قيمة الصفقة، التي تبلغ حوالي 2.5 مليار دولار.
في الوقت نفسه، يمكن أيضا لترمب أن يذكر أردوغان بأن تركيا لديها بالفعل بديل، حيث ضمنت الولايات المتحدة مزايا جيدة في عرض بيع نظام الدفاع الصاروخي باتريوت من خلال الموافقة على نقل بعض تكنولوجياته. وتلبي صواريخ باتريوت، جنبا إلى جنب مع مقاتلات F-35، أكثر من احتياجات تركيا الأمنية.
رد فعل روسي محتمل
ومن المحتمل أن يقوم بوتين بصدام لأنه حريص على إبعاد تركيا عن الناتو، لاسيما أن موسكو لديها عناصر ضغط على تركيا، سواء من خلال مصالحها في مجال الغاز الطبيعي أو تعاونها الفضفاض في سوريا. لكن أردوغان يدرك أن النفوذ الأميركي أكبر بكثير، خاصة على الاقتصاد التركي.
طوق النجاة
إن توليف صياغة على غرار الحل القبرصي ربما تمنح أردوغان طوق نجاة سياسياً للخروج من الدوامة الخطيرة، التي يسبح فيها أردوغان خلال السنوات الأخيرة. إذا اختار عدم اللجوء إلى طوق النجاة، فسيعرف ترمب أنه، على الأقل أعطى لتركيا كل الفرص الممكنة لتنقذ نفسها.