شهدت الدولة الإسلامية، في عصرها العبّاسي خاصة، سيطرة واسعة لعدد كبير من القادة الأتراك الذين وصل نفوذ بعضهم إلى تحديد هوية الخليفة. بل إن أحد القادة الأتراك، وهو إيتاخ، كاد يهمّ بقتل الخليفة العباسي المتوكل، لأنه خاطبه بكلمات لم يقبلها، فقام الخليفة في صباح اليوم التالي، واعتذر إليه، خوفاً منه، وإيتاخ التركي عاملٌ عنده، وكان في الأصل غلاماً طباخاً، فاشتراه الخليفة المعتصم سنة 199 للهجرة، بحسب الطبري الذي يسرد تدرجه في المناصب بعدما كسب ثقة الخلفاء العباسيين واحداً تلو الآخر، حتى قيل إن من يريده المعتصم أو الواثق أن يُقتل، فعند إيتاخ يُقتَل!
وبرزت في سياق تسلط الأتراك على الدولة العربية، أسماء مشهورة، عرفها العرب إبان الخلافة العباسية، كوصيف التركي، الذي قتل سنة 253 للهجرة، وأشناس الذي كاد أن يعامله الناس كخليفة، ويكنى بأبي جعفر أشناس التركي، ومات سنة 227 للهجرة. وبابكيال التركي المشهور.
بغا التركي.. طغى وبغى
وعلى الرغم من شهرة (وصيف التركي) وبابكيال، في أمهات كتب التاريخ الإسلامي، إلا أن تركياً آخر، كان أكثر سطوة منهما وأشد فتكاً بالناس ونهباً لأموالهم وسيطرة على مقاليد الخلافة، وهو المعروف باسم بغا الشرابي، أو ما يشار إليه ببغا التركي الصغير الشرابي، والمقتول سنة 254 للهجرة، بخلافة المعتز، محمد بن جعفر المتوكل.
ويغلب اسم بغا الشرابي، على اسمه الطويل بغا التركي الصغير الشرابي، والذي اختص به (مرآة الزمان في تواريخ الأعيان) لشمس الدين يوسف بن عبد الله، المعروف بسبط ابن الجوزي، 581-654 للهجرة.
وما أمسك عنه، بعض الإخباريين العرب، أفلته سبط ابن الجوزي، فقال من أول الترجمة، ببغا، ما يقال عادة في آواخرها، فيبدأ: "بُغا التركي الصغير الشرابي، وكان فاتكاً قد طغى وبغى، وخالف أمر المعتزّ واستبدّ بالأموال".
وصل بغا التركي المذكور، درجة من التسلط في الدولة العباسية، إلى الدرجة التي يقول فيها أحد خلفائها: "لا ألتذ بحياة، ما دام بغا في الدنيا! وما يطيب لي عيشٌ حتى أعلم أن رأس بغا، لي". وهذا ما جرى، عندما أحضر رأسه، إلى الخليفة المعتز الذي أمر بقتله، ونال ما تمناه مع بغا.
وبغا، من القادة الأتراك الأكثر تسلطاً على الخلافة العباسية، والعبارة التي تتفق عليها، غالبية أمهات التاريخ الإسلامي، في سبب قتله، تكون على هذا الشكل: "ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائتين، فيها قتل بغا الشرابي، وكان سبب قتله، أنه كان يحرّض المعتز على المسير إلى بغداد، والمعتز يأبى ذلك ويكرهه" بعبارة ابن الأثير الجزري، المتوفى سنة 630 للهجرة، في (الكامل في التاريخ).
وذات العبارة مع اختلافات بسيطة: "ذكر خبر مقتل الشرابي، ذكر أن السبب في ذلك، أنه كان يحضّ المعتز على المسير إلى بغداد، والمعتز يأبى ذلك عليه" بعبارة الطبري، محمد بن جرير، 224-310 للهجرة، في (تاريخ الرسل والملوك). فيما آخرون، كابن كثير الدمشقي، إسماعيل، 701-774 للهجرة، في (البداية والنهاية) قالها على هذه الشاكلة الموجزة: "أمر الخليفة المعتز بقتل بغا الشرابي، ونصب رأسه بسامراء، ثم ببغداد، وحرّقت جثته بالنار، وأخذت أمواله وحواصله".
قتلوه ونصبوا رأسه وحرّقوا جثته
تسلط بغا التركي، الطاغية والفاتك وناهب أموال الناس، كما ورد في (مرآة الزمان..) وقول خليفة المسلمين المعتز إنه لا يلتذ بشيء في الحياة، لطالما بغا التركي في هذه الدنيا، قاد الخليفة للإيقاع به وقتله شرّ قتله، كما تتفق أمهات التاريخ الإسلامي، إذ وصل المعتز إلى درجة من سقوط الهيبة والضعف، أنه هو نفسه قد أسرّ بذلك، لتركيّ نافذ آخر، هو بايباك التركي، وتكتب عند بعض الإخباريين باكباك وبابياك، حيث "شكا" المعتزّ إلى الأخير "ما يلاقيه من بغا!" بحسب (مرآة الزمان).
وأمر المعتز بقتل بغا التركي، وتروى حادثة قتله بطرق متعددة، في أمهات التاريخ الإسلامي، كما اطلعت عليها "العربية.نت" في تاريخ الطبري، والكامل في التاريخ، ومرآة الزمان، والبداية والنهاية.
وضُرب بغا التركي بعد حيلة قصتها طويلة، على رأسه وجبهته أولاً، ثم قطعت يداه، ثم ضرب ثانية، الضربة التي لقي فيها مصرعه، ثم ذُبِح وحُمل رأسه إلى المعتز، فأمر لقاتله بعشرة آلاف دينار. ثم نصب رأسه بسامراء، ثم ببغداد، وقام بعض جند الخلافة بالقفز على جثته، وحرقها بالنار.
إيتاخ التركي موظّف همَّ بقتل الخليفة
أما إيتاخ التركي الذي وصل إلى ما وصل إليه في دار الخلافة العربية، فله شأن آخر، إذ قادته الوظائف الرفيعة والحساسة التي أسندت إليه، إلى الارتفاع على مقام رئيسه وولي نعمته خليفة المسلمين، لمجرد كلمة قيلت بمجلس، تنقل أحياناً على أنها "عربدة"، كما يصفها الطبري.
ويؤكد إخباريون مسلمون، أن إيتاخ التركي كان بمرتبة الخليفة المتوكل لمّا ولي الخلافة، برواية الطبري في تاريخ الرسل والملوك، حيث قال عن إيتاخ بأنه كان معينا في تلك الوظائف: "إليه الجيش والمغاربة والأتراك والموالي والبريد والحجابة ودار الخلافة" واختصار جميع هذه المناصب الأكثر أهمية في أي دولة، بشخص، يفسّر كيف همَّ الرجل بقتل الخليفة المتوكل، وهو موظف عنده، عندما خاطبه بكلمة أهانته، فاعتذر الخليفةُ، إليه، في الصباح!
بل إن الخليفة المتوكل، احتال لإبعاده، كي يتخلص منه، فأوفده ليخرج إلى الحج، ثم عيّن مكانه، في الحجابة، تركياً آخر، هو وصيف، ما يؤكد مجددا سطوة الترك وقتذاك، فيما كان قد حبس إيتاخ إلى أن مات، سنة 235 للهجرة، من خلال القبض عليه في طريق عودته من مكة المكرمة، ثم تقييده ووضع ثمانين رطلاً في عنقه، وما وصف بقيد ثقيل في رجليه، دون تحديد ماهيته.
وأصبح إيتاخ، بحسب الإخباريين، ذليلاً إلى أبعد حد، حيث كان يرسل إلى الخليفة الذي سبق وهمّ بقتله لكلمة تلفظ بها، يتوسل أن يرسل المرق واللحم لابنيه المحبوسين معه.
وينقل الطبري، في رواية أخرى لموت إيتاخ، أن موته كان بالعطش، وأنه أُطعم، فاستسقى، فمنع الماء، حتى مات عطشاً.
ويشار إلى أن الأتراك وصلوا حداً من النفوذ داخل الدولة العربية، إلى الدرجة التي قيل فيها: "الأتراك كانوا قد استولوا منذ قتل المتوكل، على المملكة، واستضعفوا الخلفاء، فكان الخليفة في يدهم كالأسير، إن شاؤوا أبقوه، وإن شاؤوا خلعوه، وإن شاؤوا قتلوه"، بحسب ما جاء في (الفخري في الآداب السلطانية) لابن الطقطقي، محمد بن علي المتوفى سنة 709 للهجرة.