كما يعلم الجميع، وقعت الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، إضافة إلى ألمانيا، في 14 يوليو 2015، ما سمي بالاتفاق النووي مع جمهورية إيران الإسلامية، بهدف الحد من خطر مساعي إيران لتطوير برنامج نووي قادر على التحول إلى الأغراض العسكرية، أي على إنتاج القنبلة النووية. ويرى كثير من المهتمين أن هذا الاتفاق ناقص ومعيب. ولا أدل على ذلك من اتفاق الرئيس الأميركي المغادر دونالد ترامب مع خصمه الرئيس المنتخب جوزف بايدن، الذي كان المفاوض الأميركي حول هذا الاتفاق حينما كان نائباً للرئيس باراك أوباما، على ضرورة إعادة التفاوض بشأنه. وأهم ملاحظاتنا على الاتفاق المذكور ما يلي: أولاً: لم تكترث الدول الست باستطلاع رأي بلدان الخليج العربي حول بنود الاتفاق؛ بصفتها جارات إيران عبر الخليج، وبالتالي المعنية مباشرة بهذه المشكلة. ثانياً: إن المشكلة مع إيران لا تقتصر على برنامجها النووي، بل لها وجهان آخران تتحتم معالجتهما بالجدية نفسها، وهما: برنامج إيران لتطوير صواريخ بالستية بعيدة المدى وسياستها الخارجية المبنية على مبدأ تصدير الثورة الإسلامية والتدخل في الشؤون الداخلية لبلدان الإقليم وزعزعة استقرارها وأمنها بواسطة الأحزاب والجماعات الموالية لها وكذلك بالتدخل المباشر، كما في حالة العراق. لقد ركز المفاوضون الغربيون، ومعهم الروس والصينيون، على برنامج إيران النووي؛ باعتباره يشكل خطراً مباشراً على الغرب والعالم، بينما لا تحتاج إليه إيران لإخافة جاراتها الخليجية، واكتفوا بمعالجة هذا الملف، متناسين الملفين الآخرين بحجة أن هذا كان أفضل الممكن، إزاء الموقف الصلب والعنيد والطويل النفس للمفاوض الإيراني وحفاظاً على مصالح بلدانهم التجارية مع إيران، خصوصاً بعد رفع العقوبات الاقتصادية الدولية عنها بحسب الاتفاق المبرم معها. ساعد على ذلك وجود حكومة باراك أوباما الرخوة في الولايات المتحدة. لقد نسي الأوروبيون خطورة سياسة المهادنة والاسترضاء policy of appeasement، كما فعلوا مع هتلر بعد أن احتل التشيك وبدأ يهدد بولندا في سنة 1939. ثالثاً: أما إذا التفتنا إلى الاتفاق النووي نفسه فسنجد فيه عيوباً عديدة، أولها أن مدة سريانه تم تحديدها بـ15 عاماً ستصبح يد إيران طليقة بعدها ما لم يتم التفاوض من جديد، وأنه أجاز لإيران الاحتفاظ بكمية من اليورانيوم المتدني التخصيب، يرى بعض المختصين أنها كبيرة (300 كلغ) وبعدد كبير من أجهزة الطرد المركزي ( 6104 من أصل 19000) ومسائل فنية أخرى ليس هنا المجال للتوسع فيها. أتذكر أن رئيس جمهورية ألمانيا الاتحادية الحالي، السيد فرانك والترشتاينماير، زار الكويت بعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران بقليل؛ بصفته وزير الخارجية آنذاك، ورتب سفير ألمانيا في ذلك الوقت حفل عشاء محدوداً على شرف الضيف الزائر دعا إليه مجموعة صغيرة من الكويتيين غير الرسميين لتوفير فرصة للوزير لسماع آرائهم حول مواضيع الساعة. وأذكر من المدعوين الأخ علي الغانم، رئيس غرفة تجارة وصناعة الكويت آنذاك، والأخ المهندس صباح الريس وكاتب هذا المقال. خلال ذلك العشاء عبرت للوزير الألماني عن وجهة نظري في الاتفاق النووي حسب الملاحظات الواردة أعلاه، فكان جوابه – المتوقع – أن هذا كان أفضل الممكن. بلا شك إن وجود اتفاق خير من لا اتفاق، ولكن في المقابل فإن عدم وجود اتفاق خير من اتفاق سيئ. إن وجود اتفاق جيد ومتكامل سيكون في مصلحة الجميع وبلدان الإقليم وإيران بالذات. وإذا غيرت طهران سياستها الحالية تجاه البلدان العربية عامة (اليمن والبحرين والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين والمغرب) فإنها ستجعل جيرانها يطمئنون إلى نواياها ويتجهون إلى التعاون الاقتصادي والأمني معها، وهو ما يطالب به المسؤولون الإيرانيون من دون أن يوفروا السياسات والشروط الكفيلة بتحقيقه. كما سيمثل هذا خطوة أساسية تجاه الهدف المنشود والموجود على جدول أعمال الأمم المتحدة منذ سنوات طوال، وهو إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، وسيوفر المناخ اللازم لعلاقات الصداقة والتعاون بين الشعبين والحضارتين العظيمتين. أما الآن، وقد أعلن الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن عزمه على أن يطلب تعديل الاتفاق النووي مع إيران لكي يعيد أميركا إليه، فإنني أرى أنه يتوجب على بلدان الخليج العربي أن تعد نفسها لهذه المرحلة وتأخذ زمام المبادرة لكي تضمن وضع مصالحها بعين الاعتبار خلال عملية إعادة التفاوض، لا أن نجلس وننتظر أن ينسانا الغرب ويسقطنا من حساباته من جديد. وسيكون الموقف أقوى وأوقع لو قامت دول مجلس التعاون بتحرك جماعي سريع لدى كل البلدان الستة، وبالذات الإدارة الأميركية الجديدة، لتضع أمامها تصوراتها وتمنياتها بصفتها جارات إيران المباشرة. كذلك يتوجب على جامعة الدول العربية القيام بتحرك مماثل وسريع، فتدخلات الحكومة الإيرانية الثورية تشمل كل الأقاليم العربية وليس منطقة الخليج العربي وحدها. كما أن تحركاً من هذا النوع سيكون فرصة جيدة للجامعة لإثبات أنها لا تزال على قيد الحياة. فيصل راشد الغيص* * مندوب الكويت الدائم لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية سابقاً
*نقلا عن "القبس"