في عام 2020، مرت صناعة الطيران بواحدة من أسوأ سنواتها، حيث شهدت تراجعاً جذرياً بعد سلسلة من الأرباح انفرط عقدها بمجرد بدء عمليات الإغلاق التي تلت تفشي فيروس كورونا.
والآن، تعيد شركات الطيران ترتيب أوراقها للعام الجديد 2021، في محاولة للحفاظ على وظائف القطاع وفق استراتيجية الأسعار المنخفضة على أمل عودة العملاء.
وقال محلل صناعة الطيران في شركة الاستشارات RW Mann & Company ومقرها نيويورك، بوب مان، لـNBC News، إن "شركات الطيران كانت تعمل وفق وتيرة أرباح قياسية، حتى الأسبوع الثالث من فبراير عندما تفشى الوباء".
ويتوقف الانتعاش الاقتصادي لشركات الطيران وغيرها من الصناعات على التعافي الصحي، وكل محاولة لوضع الأخير قبل الأول تهدد كليهما في النهاية.
وبالنظر إلى تقارير الأرباح والخسائر للربع الثالث من العام، يتضح مدى خطورة المرحلة بالنسبة لشركات الطيران حول العالم، حيث انخفضت أعداد طائرات الركاب الوافدة في أميركا الشمالية بنسبة 48% على أساس سنوي، وفقًا لأرقام ديسمبر الصادرة عن شركة تحليلات الطيران Cirium، بينما تراجعت في أميركا اللاتينية بنسبة 46%. في غضون ذلك، تعرضت أرقام أوروبا لنكسة بانخفاض تجاوز 70% على أساس سنوي. وحتى في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، التي سيطرت على الوباء بشكل أفضل من المناطق الأخرى، لا يزال عدد الوافدين أقل بنسبة 30% مما كان عليه في العام الماضي.
وبالعودة إلى نهاية أكتوبر، كانت الأرقام أكثر كآبة، فقد انخفضت الرحلات الدولية بنسبة 75% على أساس سنوي، وفقًا لـCirium، وعلى الرغم من أن الرحلات الداخلية كانت أفضل، إلا أنها انخفضت هي الأخرى بنسبة 36% على مستوى العالم.
ومع انتشار الموجة الثانية من الوباء، اتخذت شركات الطيران إجراءات صارمة لخفض التكاليف، من تقليص حجم الطائرات إلى إحالة أساطيل بأكملها للتقاعد وإلغاء مسارات جوية، بحسب تقرير لـ CNN.
الدعم الحكومي ليس كافياً
في الولايات المتحدة، انخفض حجم الركاب من أكثر من مليوني مسافر يومياً في بداية مارس إلى أدنى مستوى عند حوالي 90 ألفاً فقط منتصف أبريل، وفقًا لإحصاءات نقاط التفتيش التابعة لإدارة أمن النقل، تأثراً بالدعوات للبقاء في المنزل وقيود السفر. وفي حين تعافى هذا الرقم منذ ذلك الحين، شهد موسم العطلات المزدحم عدد ركاب أقل من نصف ما كان عليه قبل عام، حيث سافر 1.2 مليون شخص في 27 ديسمبر، مقابل 2.6 مليون في العام الماضي.
وفي ظل هذه الأزمة، تلقت الخطوط الجوية الأميركية 25 مليار دولار من المساعدات الحكومية وفق قانون CARES، شرط الإبقاء على موظفيها. لكن بعد نفاد هذا التمويل، اضطرت شركات الطيران الأميركية إلى إعادة احتساب تكاليف التوظيف ما دفعها لتشجيع التقاعد المبكر والإجازة الطوعية، والتفاوض مع النقابات العمالية وتسريح جزء من اليد العاملة.
وقد حصلت الصناعة على تمويل إضافي بقيمة 15 مليار دولار، في حزمة الإغاثة الجديدة من فيروس كورونا الموقعة ليلة الأحد الماضي من قبل الرئيس دونالد ترمب.
في المقابل، ترى بعض شركات النقل الجوي فرصة في الأزمة. وقال مايكل أوليري، الرئيس التنفيذي لشركة الخطوط الجوية الأيرلندية مخفضة التكلفة Ryanair لصحيفة Financial Times، إن الشركة يمكن أن تقتنص المسارات التي تخلى عنها بعض منافسيهم. وتوقع حدوث اندماجات في قطاع الطيران، كما كشف عن تقديم طلبيات لطائرة "بوينغ ماكس" التي يتوقع أن "تغير قواعد اللعبة" من حيث السعة وكفاءة الوقود.
وقال أيضاً للصحيفة: "لقد كنا نخطط باستمرار لتحقيق انتعاش سريع إلى حد معقول ونشعر بخيبة أمل مستمرة".
وأضاف: "الذي تغير هو وصول اللقاحات.. القضية بالنسبة لقطاعنا هي هل هذا التعافي سيحدث في مايو أو أغسطس؟ نحن لا نعرف".
وحلقت طائرة "بوينغ 737 ماكس" في السماء مرة أخرى هذا الأسبوع، بعد تجديد معدات الطيران لمعالجة المخاوف المتعلقة بالسلامة والتنظيم التي نتجت عن حادثين فصلت بينهما أشهر فقط وأدى إلى مقتل كل من كان على متن الطائرتين. وفي حين أن عودة Max شكلت أخبارًا مرحباً بها من قبل القطاع، فقد كلفت الكارثة شركة "بوينغ" ما لا يقل عن 20 مليار دولار، كما سيتعين عليها إغراء العملاء للعودة إلى هذه الطائرة.. لكن استعادة الثقة ستستغرق وقتاً.
أسعار أقل لتحفيز الطلب
من المتوقع أن تنخفض أرباح صناعة الطيران في أميركا الشمالية بنحو 46 مليار دولار في عام 2020، وفقًا لتقديرات اتحاد النقل الجوي الدولي (IATA). وبافتراض توزيع لقاح كورونا بحلول النصف الثاني من العام، من المتوقع أن تنخفض أرباح عام 2021 بمقدار 11 مليار دولار.
وأفاد اتحاد النقل الجوي الدولي (IATA)، بناءً على استطلاعات شملت الرؤساء الماليين في شركات الطيران، بأن "المستهلكين سيستفيدون من تكاليف سفر أقل، حيث ستستمر شركات الطيران في تخفيض أسعار التذاكر بشكل كبير لتحفيز الطلب".
وبالفعل، أصبحت تذاكر الطيران تباع بتخفيضات كبيرة. وقال سكوت كيز، مؤسس موقع التذاكر المخفضة Scott’s Cheap Flights، إن أسعار تذاكر الطيران بدون توقف من نيويورك إلى أورلاندو، أو أوستن، أو تكساس، معروضة للبيع بحوالي 50 دولارًا لكل تذكرة، ومن دنفر إلى لوس أنجلوس بـ71 دولارًا.
وعلى الرغم من توقعات بارتفاع الأسعار الدولية في الصيف المقبل، لا تزال هناك صفقات جيدة يمكن الحصول عليها.
النهوض من تحت الرماد
سيتعين على الخطوط الجوية تبني التقنيات الجديدة والتخلي عن الطائرات القديمة الأقل كفاءة في استهلاك الوقود للبقاء واقفة على قدميها، إلى جانب إصلاح بعض نماذج أعمالها طويلة الأمد، وفقًا لتقرير صادر عن شركة الاستشارات "ماكينزي".
وحالياً، تميل الصناعة بشكل كبير إلى اعتماد بروتوكولات جديدة للنظافة والسلامة للتخفيف من مخاطر فيروس كورونا أثناء السفر الجوي، وتركيب أنظمة عالية الأداء لترشيح الهواء، وتعقيم الطائرات، وتثقيف الموظفين. كما تقدم بعض شركات الطيران الآن اختبار Covid-19 قبل الرحلة أو في المطارات.
وفي حين انخفض بالفعل عدد المسارات بين المدن، لن تقوم شركات الطيران ببناء أي مسارات جديدة ما لم تكن مربحة.
وقال محلل شركات الطيران في شركة بيانات الطيران OAG جون جرانت: "ستعود الصناعة وشركات الطيران، ليس بشكل أقوى على الفور، ولكن ستتم إعادة تشكيلها في نهاية المطاف لتكون جاهزة لمواجهة التحديات الجديدة مهما كانت".
ولا يعتقد المحللون أنه سيكون هناك مزيد من عمليات الاندماج في قطاع الطيران ما لم يتم توسيع عمليات التلقيح.
وشددت هيلان بيكر، محللة الطيران في Cowen، على أنه "إذا استمر الوباء، سنشهد على الأرجح حالات إفلاس في النصف الثاني من عام 2021"، وفقاً لما نقلته شبكة NBC News.