حدد مجلس النواب العراقي يوم السابع من فبراير القادم موعداً لانعقاد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية استناداً إلى التوقيتات الدستورية، عامل الوقت بات يؤدي ضغطاً كبيراً ساهم في تضاؤل فرص الإطار التنسيقي للمشاركة في الحكومة بكامل أطرافه في وقت لا يزال الصدر يتمسك بإبعاد ائتلاف دولة القانون وإبقاء الباب مفتوحاً أمام بقية أعضاء الإطار وهم (الذين يحسن الصدر ظنه بهم بحسب وصفه).
محدودية الفرص وضعت الإطاريين أمام ثلاث خيارات أفضلها لا يلبي الحد الأدنى من طموحاتهم، فإما التوجه نحو المعارضة كلياً، أو التحاق جزء منهم مع الصدر، أما الخيار الثالث فهو الذي يصدر من ائتلاف دولة القانون الداعي إلى مقاطعة العملية السياسية، إلا أن فريقاً من الإطار بدأ يعمل على خيار رابع يتمثل بتشكيل ثلث معطّل يقطع طريق انتخاب رئيس الجمهورية ويعيق استكمال تشكيل الحكومة عبر عدم حضورهم إلى جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، إلا أن هذا الفريق يغفل عدم فاعلية الثلث المعطّل في قطع طريق الحكومة التي يدعو إليها الصدر لوجود كوابح قانونية ذات أبعاد سياسية.
سوء التقدير الدستوري والقانوني
يسعى الفريق المعطّل من الإطار التنسيقي إلى كسر نصاب جلسة انتخاب رئيس الجمهورية للحؤول دون عبور المرحلة الثانية لتشكيل الحكومة، ويعتقد هذا الفريق أن نصاب هذه الجلسة يتحقق بوجود 220 نائبا فأكثر ويُسند اعتقاده إلى المادة 70 من الدستور العراقي التي نصت فقرتها الأولى على أن "ينتخب مجلس النواب من بين المرشحين رئيساً للجمهورية بأغلبية ثلثي عدد أعضائه" والبالغ 329 نائبا.
ثمة تقدير خاطئ لدى هذا الفريق فيما يتعلق بنصاب جلسات مجلس النواب، إذ يتحقق النصاب بوجود 165 نائبا ويمثل هذا العدد الأغلبية المطلقة لعدد أعضاء المجلس وفقاً للمادة 59 /أولاً من الدستور، ولم يرد في أي موضع سواء في الدستور أو في قانون أحكام الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية نصاً صريحاً يشير إلى وجوب أن يكون نصاب جلسة انتخاب رئيس الجمهورية ثلثي أعضاء المجلس، بل ورد هذا العدد كشرط أول من شروط فوز أحد المرشحين بالمنصب، ولهذا ذهب الدستور في المادة 70/ثانياً إلى جولة ثانية في الانتخاب بين المرشحين الحاصلين على أعلى الأصوات ويصبح رئيساً للجمهورية من يحصل على الأكثرية في الاقتراع الثاني، فيما ذهب قانون أحكام الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية أبعد من ذلك في المادة 9 منه فحتى لو اقتصر الترشيح على مرشح واحد يجري انتخابه وفق السياقات الدستورية.
وفي السوابق، فمن أصل 4 دورات تشريعية لم ينتخب رئيس الجمهورية في الجولة الأولى لا في دورة واحدة وهي الدورة التشريعية الأولى عام 2006، إذ حصل الرئيس الأسبق جلال طالباني على 198 صوتا من أصل 275 وبنصاب للجلسة بلغ 266 نائبا، فيما انتخب لدورة ثانية عام 2010 في الجولة الثانية بحصوله على 193 من أصل 325 وبنصاب للجلسة بلغ 213 نائبا، وفي الدورة الثالثة انتخب الرئيس السابق فؤاد معصوم في الجولة الثانية بحصوله على 211 من أصل 328 وبنصاب للجلسة بلغ 225 نائبا، بينما انتخب الرئيس برهم صالح في الجولة الثانية بحصوله على 219 صوت من أصل 328 وبنصاب بلغ 235 نائبا.
الواقع السياسي يعطّل الثلث المعطّل
حتى مع افتراض وجوب تحقق النصاب بعتبة الجولة الأولى، فلغة الأرقام تكشف عدم قدرة الإطار التنسيقي والمقربون منه امتلاك ثلث معطل يبلغ 110 نواب، فلم يتعدّ عدد أعضاء الإطار 88 نائبا بحسب ما يذكر أطرافه وهو ما قُدّم في الجلسة الأولى على أنه ورقة الكتلة الأكبر، كما أن توجه الاتحاد الوطني الكردستاني إلى خيار التعطيل في حال عدم اتفاقه مع الحزب الديمقراطي الكردستاني مستبعد في الوقت الحالي، كونه يمتلك مرشحاً لرئاسة الجمهورية وهو الرئيس الحالي برهم صالح مما يستوجب حضور نوابه إلى الجلسة وعدم مغادرتها، وعند الأخذ بنظر الاعتبار وجود 227 نائبا في الجلسة الأولى للبرلمان والتفاهمات الأخيرة – بعد قرار المحكمة الاتحادية الاعتراف بدستورية الجلسة الأولى – التي من المحتمل أن توسّع تحالف الكتلة الصدرية وتحالف السيادة والحزب الديمقراطي الكردستاني لضمّ نواب آخرين، فاحتمالية كسر النصاب غير واردة إطلاقاً على المستوى التشريعي.
ثُلث غير معطّل تنفيذياً
على المستوى التنفيذي، تبدو فرص الإطار التنسيقي في تعطيل الحكومة (سواء في تحقق النصاب أو اتخاذ القرارات) معدومة في ظل شروط الصدر، فبحسب النظام الداخلي لمجلس الوزراء يتحقق نصاب انعقاد جلسة المجلس بأغلبية عدد أعضائه والبالغ في حكومة الكاظمي (13) عضواً، فيما تتخذ قرارات المجلس بأغلبية عدد أصوات أعضائه الحاضرين وعند تساوي الأصوات ترجح الكفة التي يصوت معها رئيس المجلس، أما فيما يتعلق بالقرارات ذات الطابع الاستراتيجي والسيادي والحدود الدولية والعلاقات الخارجية فيتخذ القرار فيها بأغلبية ثلاث أخماس عدد الحاضرين بمن فيهم الرئيس، وإذا بلغ عدد أعضاء المجلس 24 عضواً في الحكومة الجديدة، فيحتاج الإطار التنسيقي من 10 – 13 حقيبة وزارية ليكون جزءاً معطّلاً في النصاب والقرارات الاعتيادية والاستراتيجية، وفي ظل حكومة الأغلبية الوطنية التي يدعو إليها الصدر فإن حصول الإطار على هذه الوزارات أمراً مستحيلاً.
احتمالية طرق باب المحكمة الاتحادية مجدداً
ترجّح المؤشرات الحالية أن طريق رئاسة الجمهورية معبّداً لمرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني هوشيار زيباري لعدم توصل الحزبين الرئيسين في إقليم كردستان إلى اتفاق حول مرشّح واحد، بينما أثارت بعض أطراف الإطار التنسيقي في بغداد احتمالية الاعتراض على زيباري بسبب سحب الثقة منه عام 2016 عندما كان وزيراً للمالية في حكومة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي.
وعلى هذا الأساس قد يذهب فريق إلى الطعن في صحة ترشيح هوشيار زيباري لرئاسة الجمهورية أمام المحكمة الاتحادية حتى في حال انتخابه وتكليفه مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً لتشكيل الحكومة، ومن شأن هكذا دعوى أن تدفع المحكمة الاتحادية إلى تكرار ما حصل بعد الاعتراض على الجلسة الأولى للبرلمان واحتمالية إصدار أمر ولائي جديد بحق الرئيس المنتخب وصلاحياته، إلا أن هذا الأمر قد يحسم في 31 يناير الجاري عندما يعلن مجلس النواب أسماء المرشحين لرئاسة الجمهورية في ثلاث سيناريوهات يحتمل الأول وجود مرشح آخر للحزب الديمقراطي الكردستاني لم يعلن عنه وحدوث هكذا أمر يعني سحب أي مبرر للأطراف المعترضة على التحالف الثلاثي وتمرير الحكومة بسهولة كبيرة، أو اتفاق الحزبين الكرديين على مرشح واحد حتى يوم الجلسة، أو المضي بالمرشح المعلن وما يترتب عليه من إجراءات اللجوء إلى المحكمة الاتحادية لكسب المزيد من الوقت الضائع الذي لن يغير شيئا سوى خروج مسار تشكيل الحكومة عن توقيتاته الدستورية.