الابتكار وتحديات العمل الحكومي

طلعت حافظ
طلعت حافظ
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

منذ انطلاقة الثورة الصناعية الرابعة (4IR) الممثلة لامتداد للثورة الصناعية الأولى التي انطلقت في القرن الثامن عشر، والعالم يشهد تسارعاً غير مسبوق في مجال الابتكار، وبالذات في مجالات ترتبط باستخدامات وسائل وتطبيقات تقنية متقدمة للغاية، بما في ذلك في مجال يرتبط بالبرمجيات التي تَعتمد على استخدام خوارزميات معقدة جداً في مجالات عدة، مثل الذكاء الاصطناعي، إنترنت الأشياء، بلوك تشين وتكنولوجيا النانو وغيرها من المجالات مثل في مجال استخدام الروبوتات.

هذه الابتكارات فرضت على العالم التغيير الملزم إن أراد لنفسه التقدم والتطور وأن يعيش بأسلوب حياة مختلف جداً مقارنة بما سبق، بالذات الذي يعتمد بشكلٍ كبير على استخدامات تلك التقنيات وتلك الابتكارات.

يتوقع لتلك الابتكارات أن تتغلغل حتى في حياتنا اليومية كأفراد لتنعكس بذلك على سلوكياتنا في التعاطي والتعامل مع كل ما يحيط بنا من أشياء، بحيث تصبح تلك التقنيات هي سيد الملعب في المشهد الإنساني والحياتي، للحد الذي قد يصل لأن تكون أقوى وأسرع من الإنسان في الاستجابة الفورية وردة الفعل اللحظية للحد الذي قد يصعب عليه التحكم والسيطرة على سلوكياتها وتصرفاتها رغم أنها من صنع الإنسان وهو الذي أوجدها واخترعها في الأساس.

هذا الفرض وهذا التغلغل لتلك التقنيات والابتكارات سيطال أيضاً مفاصل العمل الحكومي وسياساته العامة، الأمر الذي قد أشار إليه كوكبة من المتحدثين الخبراء في مجال الابتكار والتقنيات بمؤتمر الابتكار ومستقبل العمل الحكومي، الذي نظمه معهد الإدارة العامة خلال الفترة 9-10 فبراير الجاري بمناسبة مرور 60 عاماً على إنشائه.

ركزت طروحات المتحدثين على مجالات الابتكارات والتقنيات المختلفة الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، وسلاسل الكتل والتحول الرقمي، ومدى تأثير ذلك على أهمية التكامل بين المؤسسات الحكومية، وكذلك على رأس المال البشري. وتم ربط تلك التقنيات والابتكارات مع ما تشهده المملكة العربية السعودية من تطور مذهل ولافت منذ انطلاقة رؤية المملكة 2030 في شهر إبريل 2016، لتمثل منعطفًا تاريخياً مهماً وملهماً في نفس الوقت على مستوى المنطقة العربية، بما اشتملت عليه من مرتكزات وأهداف وبرامج تسعى الدولة من خلالها إلى تحقيق تنمية إدارية شاملة ومستدامة، والتأكيد على أهمية الابتكار.

دون أدنى شك أن رؤية المملكة 2030 سوف تُسرع من توجه السعودية للتحول إلى الاقتصاد الرقمي وإلى استخدامات التقنيات والتطبيقات الإلكترونية الحديثة، ولكن لا بد من توفير الممكنات لبلوغ ذلك الهدف، وبالذات على المستوى الحكومي لتحقيق الكفاءة والفاعلية المنشودة في ممارسات الأجهزة الحكومية لمهامها المختلفة.

من بين التساؤلات التي تطرح نفسها في ظل المتغيرات التقنية الحديثة وتوجه المملكة إلى الاقتصاد الرقمي، هل نمتلك للممكنات اللازمة التي تدعم هذا التوجه، وبالذات وأن الإنفاق لدينا على الابتكار والتطوير نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي الحكومي لا يزال متواضعاً للغاية، إذ تشير المعلومات إلى أن حجم إنفاق الدول العربية مجتمعة على البحث العلمي يقدر بنحو 20 مليار ريال (5.31 مليارات دولار)، وتحتل المملكة المرتبة السابعة والثلاثين عالمياً في الإنفاق على هذا المجال، حيث تنفق السعودية 0.8 % من إجمالي الناتج المحلي مقارنة مع 2.2 % الذي يمثل متوسط إنفاق أكثر من 30 دولة في العالم على البحث والتطوير، بل ويصل في دولة مثل كوريا الجنوبية إلى 3.5 %.

والسؤال الآخر الذي يطرح نفسه هو، هل لدينا مستوى كافٍ من البحث والتطوير R&D سواء على مستوى الجامعات أم على مستوى مراكز الأبحاث يدعم التوجه إلى الاقتصاد الرقمي، وأخيراً وليس آخراً، هل لدينا شبكات اتصالات وتقنية معلومات، بما في ذلك عناصر بشرية كافية مؤهلة لإحداث التوءمة المطلوبة بين الابتكار والسياسات العامة بالعمل الحكومي التي تستهدف تطوير بيئة الأعمال وتقديم خدمات حكومية تعتمد بشكلٍ كبير على أبرز المنهجيات والأدوات والممارسات التطبيقية والتجارب الدولية والمحلية في مجال الابتكار الحكومي؟

رغم هذه التساؤلات وغيرها، أكدت الطروحات المختلفة للمشاركين بجلسات المؤتمر، على أن المملكة العربية السعودية تسيير على خطى ونهج تقني سليم واعد لأن تحققَ تقدم ملموس خلال السنوات القليلة القادمة في مجال الابتكار والاستخدامات المختلة للتقنيات والتطبيقات الذكية، وبالذات وأن المملكة قد أثبتت حضورا وتواجدا غير مسبوق منذ تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد بابتكار وتوظيف العديد من التقنيات التي ساهمت بفاعلية في التعامل مع الجائحة بكفاءة عالية، والتي شهد لها القاصي والداني عالمياً. كما أن الجهود الحكومية المبذولة منذ انطلاقة الرؤية لتحقيق التطور والإصلاح في كافة الأنشطة الاقتصادية والتقنية، يتوقع لها أن تساهم بفعالية في إحداث التوءمة المطلوبة بين السياسات العامة مع مختلف التقنيات الحديثة ودعم التحول الرقمي، مما سيمكن الاستفادة من التقنيات الرقمية الناشئة كالذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، وسلاسل الكتل وحلول الأعمال الذكية في إحداث النقلة التقنية والابتكارية المطلوبة للوصول إلى سياسات عامة حكومية أكثر تطوراً مقارنة بالماضي، بحيث تصبح قادرة على قيادة الاقتصاد الوطني برحلة التحول إلى الاقتصاد الرقمي، وليس ذلك فحسب، بل أيضاً قادرة وكفؤة بالدفع بالتعاملات الحكومية عموماً قدماً إلى الأمام، بما في ذلك التجارة الإلكترونية.

* نقلاً عن صحيفة "الرياض".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط