بوتين يستغلّ ضعف الغرب... وحربه تشعل سوق النفط والغاز

رندة تقي الدين
رندة تقي الدين
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

هجوم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أوكرانيا دفع أسعار النفط العالمية الى الصعود الى 103 دولارات للبرميل، إضافة الى تحليق أسعار الغاز بسبب تحدي بوتين العقوبات الغربية التي بدأت ضعيفة عندما دخل دونباس، ثم اشتدت لدى هجومه على أوكرانيا.

رغم زيارات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتس لإقناع بوتين بتجنب الحرب في أوكرانيا، ومكالماتهما الطويلة معه لاحقاً، وتهديدات الرئيس الأميركي جو بايدن بعقوبات صارمة، استأنف القيصر الروسي خطته للهجوم على أوكرانيا، وربما استرجاع البلد الى المظلة الروسية بعيداً من الديموقراطيات الأوروبية التي أثبتت منذ زمن بعيد ضعفها إزاءه، رغم تهديد ماكرون بمواجهته بعقوبات قاسية.

سبق للرئيس الأميركي السابق باراك أوباما أن هدد بوتين بخط أحمر إذا استخدمت سوريا بشار الأسد السلاح الكيماوي، لكنه تركه لاحقاً يضع كل قواته لحماية الأسد في سوريا، وبسط نفوذه وقواعده فيها، وإبقاء الأسد الذي قتل شعبه وهجّره. فبوتين سيطر في الشرق الأوسط عبر سوريا من دون أي رادع أمامه من الغرب. قبل ذلك عندما تدخّل في جورجيا في 2008، ثم بعد ذلك عندما ضم القرم في 2014، ثم وضع أرض الدونباس تحت سيطرته، لم ير غرباً يردعه.

رأى بوتين أن بإمكانه تحدي ديموقراطيات الغرب الضعيفة التي عليها أن تواجه محاسبة مجتمعاتها، في حين أنه يحكم روسيا منذ 22 سنة ولا أحد يحاسبه. ينشر ميليشيا "فاغنر" التابعة له في مالي، ويقول بكل وقاحة في مؤتمره الصحافي في الكرملين مع ماكرون إن "فاغنر" لا علاقة لها بروسيا من دون أي تعليق من نظيره الفرنسي على هذه الكذبة. يردد الاتحاد الأوروبي أن الهجوم الروسي على أوكرانيا انتهاك للقانون الدولي. قبل ذلك انتهك بوتين وشريكه بشار الأسد القانون الدولي عندما قتلت القوات السورية المدنيين بالغازات الكيماوية، وقد أظهر أطباء القبعات البيض في سوريا ذلك باستمرار، ولم يتحرك أحد للتصدي لبوتين والأسد.

العقوبات الغربية على روسيا اليوم قد تطال بوتين نفسه، ولكنه، بحسب كل ما يقوله، مستعد لذلك. فهو يتاجر مع الصين وكوريا الشمالية والهند وغيرها من دول آسيا، وبلده أحد أكبر مصدّري النفط مع السعودية والغاز مع قطر. سعر النفط تخطى المئة دولار، وهذا سيؤثر في الغرب ويساهم في التضخم، في حين أنه قد يساعد بوتين في تجارته مع الصين وغيرها من دول آسيا للتصدي للعقوبات.

قد نرى الولايات المتحدة تهرول للتوصل الى اتفاق في فيينا حول النووي الإيراني كي ترفع العقوبات عن النفط الإيراني، ويعود بسرعة مليونا برميل في اليوم الى الأسواق للحد من ارتفاع سعره الذي يؤثر في المستهلك الأميركي والأوروبي للبنزين تأثيراً كبيراً.

أما بالنسبة الى الغاز، فأوروبا تعتمد بنسبة 40 في المئة على الغاز الروسي، وانقطاعه المتوقع دفع الى زيادة سعر عقود الغاز الطويلة الأمد في أوروبا 27 في المئة الى 113 يورو بساعة الميغاوات. وروسيا تتعاون مع السعودية على صعيد النفط في مجموعة أوبك بلاس. لا شك بأن في الأزمة إحراجاً لمجموعة أهم أعضائها السعودية والإمارات والكويت وعمان ونيجيريا، حلفاء الولايات المتحدة، وبايدن يطالب منذ قبل الهجوم الروسي على أوكرانيا السعودية بالعمل على تخفيض أسعار النفط، وأن تزيد إنتاجها. وحدها السعودية في هذه المجموعة بإمكانها زيادة الإنتاج، وحتى الآن لم تبد نية للقيام بهذه الزيادة، والسؤال هو: ماذا تفعل أمام خطوة حليفها الروسي في "أوبك بلاس" الذي عملت معه منذ ثلاث سنوات بشأن استقرار أسواق النفط ومنعها من التدهور. فهل تكسر هذه الشراكة وترفع إنتاجها؟

وتجدر الإشارة الى أن وزير النفط الإماراتي سهيل المزروعي صرح قبل أيام قليلة بأن ارتفاع سعر النفط مرده الى التوتر الجيوستراتيجي في أوروبا. فهل يخلط الهجوم الروسي على أوكرانيا الأوراق بالنسبة الى التعاون النفطي مع روسيا التي هي أكبر منتج للنفط بعد الولايات المتحدة والسعودية؟ روسيا تنتج حالياً 10 ملايين برميل في اليوم من النفط، منها 4.5 ملايين برميل في اليوم للتصدير الى أوروبا وآسيا.

أما إمدادات الغاز الى أوروبا، فأوضح وزير الطاقة القطري سعد الكعبي قبل يومين بصراحة "أن لا قطر ولا أي دولة منفردة أخرى لديها القدرة على أن تحل محل إمدادات الغاز الروسية لأوروبا بالغاز الطبيعي". وقال الكعبي إن ما يمكن تحويله من قطر الى أوروبا يتراوح فقط بين 10 و15 في المئة من العقود القطرية للغاز. وكان بايدن قد أكد أنه يعمل مع دول عديدة لتزويد أوروبا بالغاز، وبالفعل بدأت إمدادات الغاز الأميركية تتجه الى أوروبا.

إذا قرر بوتين وقف إمدادات الغاز فسيؤثر ذلك في أوروبا، لأن إمكاناتها محدودة. صادرات الغاز الأفريقي من نيجيريا والجزائر وغيرهما تنخفض، وإذا وجدت الولايات المتحدة كميات إضافية لتعويضها لأوروبا فستكون تكلفتها مرتفعة. إيقاف روسيا إمدادات الغاز سيف ذو حدين، يصيب روسيا أيضاً التي ستفتقد عائداته. لا شك في أن روسيا أنشأت وضعاً كارثياً للغرب الذي طالما لا يريد حماية ديموقراطياته بالسلاح وعلى الأرض، سيبقى بوتين على موقفه مثلما فعل في سوريا الى جانب بشار الأسد، والحوار مع الدكتاتوريات غير مفيد.

* نقلا عن " النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط