رغم التطمينات التي صدرت من مسؤولين كبار في أميركا وأوروبا بشأن سلامة القطاع المصرفي والنظام المالي بهدف تهدئة مخاوف المستثمرين بعد الانهيارات المصرفية غير المسبوقة منذ 2008، إلا أننا بعيدون عن تصفير هذه الشكوك.
لدى أميركا أكثر من 4000 بنك، ونحو 10000 بنك على مستوى العالم تشكل جزءًا من SWIFT و35000 مؤسسة مالية حول العالم، ومن هنا تكمن الأهمية القصوى لاستقرار القطاع المالي في أميركا وما يعنيه ذلك للعالم.
أطلق سقوط بنك وادي السيليكون في أوائل مارس، وهو أكبر فشل مصرفي منذ الأزمة المالية العالمية في 2008، وكذلك سيغنتشر، في أميركا، و"كريدي سوي" في سويسرا موجة من الذعر في السوق اجتاحت القطاع في أوروبا والولايات المتحدة ودفعت إلى تقويض الثقة وفاقمت مخاوف المودعين بعد قيام الحكومة السويسرية ضمن صفقة الإنقاذ بشطب السندات الفرعية التي تدخل في الشق الأول برأس المال والبالغة 17 مليار دولار بالكامل.
أيضا تصاعد الجدل في أميركا بعد انهيار سيليكون فالي حول تأمين الودائع، ومع تهافت المودعين إلى سحب أموالهم من البنوك الصغيرة قالت جانيت يلين وزيرة الخزانة الأميركية "سيتم اتخاذ إجراءات لحماية الودائع في بنوك أخرى لو زادت عدوى سحب الأموال".
هذه الأمور تضعنا أمام حقيقة أن القطاع المصرفي في أميركا وأوروبا يواجه أزمة، وذلك من خلال عدة دلائل.
صحيفة "فاينانشيال تايمز" تقول إن المستثمرين قاموا بسحب 34 مليار دولار من صناديق الأسهم الأميركية في 2023. أيضا يشير تسعير العقود إلى أن المستثمرين يتوقعون أن تصل تقلبات الأسهم لبعض البنوك إلى ثلاثة أضعاف المستويات العادية، وفقًا لتحليل أجرته RBC Capital Markets. كما خفض المحللون في Morgan Stanley تقديرات أرباح البنوك الإقليمية بنسبة 20%، هذا العام و30%، لعام 2024.
أيضا من المتوقع أن تكون الودائع في "جي بي مورغان"، و"ويلز فارغو"، و"بنك أوف أميركا"، قد تراجعت بقيمة 521 مليار دولار عن العام السابق، وهو أكبر انخفاض في عقد، وفقاً لتقديرات محللين لوكالة "بلومبرغ".
هذه الاضطرابات ألقت بثقلها أيضا على أسهم البنوك، إذ انخفض مؤشر "KBW Bank" بنسبة 17.37% هذا العام، وخسر 25% في مارس وحده. وكانت البنوك الإقليمية أكبر الخاسرين خلال هذه الفترة، مع تراجع أسهم بنك "فيرست ريبابليك" بنسبة 89.12%، حتى مساء أمس الاثنين.
نحن أمام حقيقة تتصاعد وهي تراجع الثقة في البنوك ونزوح الأموال إلى استثمارات أخرى بديلة بينها صناديق أسواق المال. ارتفع المبلغ الإجمالي في هذه الصناديق إلى 5.2 تريليون دولار من 4.59 تريليون دولار قبل عام.
الثقة ضرورية جدا للبنوك حتى تقوم بواجبها في دعم النمو الاقتصادي من خلال الإقراض لفترات أطول بكثير، وقد تعرضت هذه الثقة في فترات سابقة لهزات عنيفة ولا سيما إبان الأزمة المالية العالمية في 2008، إلا أن الأوضاع تغيرت كثيرا.
يوجد أمران مختلفان وأكثر خطورة فيما نمر به من أزمة ثقة حالية، الأول هو توسع التحويل الفوري للأموال من البنوك على نطاق واسع، والذي يفاقم عمليات سحب الأموال، الأمر الثاني انتشار وسائل التواصل الاجتماعي بشكل غير مسبوق، ما يجعل المشكلة أكبر من أي وقت مضى حيث ينتشر الذعر بين المستثمرين بوتيرة أسرع ويجعل من الصعب السيطرة عليها.
ويمكن أن يكون لفقدان الثقة في البنوك عددا من التأثيرات المهمة على الأفراد والشركات والاقتصاد بشكل عام، من بينها سحب الودائع ما يؤدي لتوقف العمليات التشغيلية وانهيارات مصرفية، وهذا قد يكون له عواقب وخيمة على الاقتصاد.
فقدان الثقة يقلل أيضا من لجوء الناس للاقتراض والاستثمار في أسواق المال، ما يخفض النشاط الاقتصادي ويبطئ النمو.
من بين التأثيرات الأخرى تراجع الثقة في المؤسسات المالية، واللجوء إلى خيارات بديلة للبنوك. كما أنها تخفض أسعار الأسهم وبالتالي تؤثر على أداء أسواق المال.
الثقة أخطر ما يمكن أن يتعرض له النظام المالي والمصرفي، وتوجد شواهد كثيرة على تراجع الثقة في بنوك أميركية وأوروبية، وهذا قد يكون مدخلا لتغييرات أوسع نطاقا ما لم يتم تعزيز هذه الثقة عبر إجراءات بينها ضمان الودائع والتأكد من سلامة القطاع وأداء البنوك ماليا.