خلال خمسينيات القرن الماضي، عاشت منطقة الشرق الأوسط على وقع تقارب غير مسبوق بين الاتحاد السوفيتي ومصر. فبتلك الفترة، حصلت مصر على الدعم السوفيتي بمجال الأسلحة والعتاد العسكري لمواجهة التصعيد المتنامي مع إسرائيل التي حصلت بدورها على دعم عسكري هائل من الأميركيين والبريطانيين والفرنسيين. وفي المقابل، رأت موسكو في هذا التعاون مع القاهرة فرصة لتدعيم موقعها ومكانتها بالمنطقة في خضم الحرب الباردة.
العدوان الثلاثي
بقرار مفاجئ، اتجه الرئيس المصري جمال عبدالناصر يوم 26 يوليو 1956 لإعلان تأميم قناة السويس. وعلى إثر هذا القرار، عبرت كل من فرنسا وبريطانيا وإسرائيل عن قلقها الشديد واتجهت في الآن ذاته للضغط على مصر أملا في إجبارها على العدول عن هذا القرار. وبسيفر الفرنسية (Sèvres)، وضعت كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ما بين يومي 22 و24 أكتوبر 1956 خطة، عرفت ببروتوكولات سيفر، للتدخل عسكريا وسياسيا ضد مصر بسبب الأزمة التي أثارتها عملية تأميم قناة السويس. فبالنسبة للبريطانيين، مثلت عملية التأميم ضربة لمصالحهم بالشرق الأوسط. أما الإسرائيليون فقد عبروا مرارا عن قلقهم الشديد حول حركة السفن الإسرائيلية بالمنطقة التي أصبحت مقيدة. ومن جانبها، تحدثت فرنسا عن سخطها الشديد من دعم جمال عبدالناصر للثوار بالجزائر واتجهت للمشاركة بهذه الحرب، التي عرفت بالعدوان الثلاثي، أملا في الانتقام من مصر وإجبارها على التخلي عن الجزائر.
ويوم 29 أكتوبر 1956، هاجمت إسرائيل مناطق غزة وسيناء واتجهت صوب قناة السويس. وبالفترة التالية، أصدرت كل من فرنسا وبريطانيا قرارا يقضي بقبول وقف إطلاق النار بين الجانبين ووجود قوات فرنسية وبريطانية بالمنطقة لحماية القناة. وأمام الرفض المصري، باشرت الطائرات البريطانية والفرنسية بشن غارات جوية على مواقع عسكرية ومدن مصرية. ويوم 5 نوفمبر من العام نفسه، ألقت بريطانيا وفرنسا بالعديد من مظلييها على طول قناة السويس متسببة بذلك في شل حركة الملاحة بالقناة بشكل تام.
الموقف السوفيتي
وعلى الرغم من انشغاله بمجريات أحداث الثورة المجرية التي تدخل على إثرها جيشه بالأراضي المجرية، اتخذ الاتحاد السوفيتي موقفا مساندا لمصر.
فعلى لسان قائدة نيكيتا خروتشوف (Nikita Khrushchev)، أدان الاتحاد السوفيتي العدوان الثلاثي، وأكد على استعداده للتدخل عسكريا لصالح مصر.
وعلى لسان الوزير الأول نيقولاي بولغانين (Nikolai Bulganin)، أعلن الاتحاد السوفيتي أنه مستعد لإرسال قوات عسكرية لمصر لمواجهة فرنسا وبريطانيا وإسرائيل. من جهة ثانية، أكد بولغانين أن بلاده ستمطر لندن بالصواريخ وأنها لن تتردد في اللجوء للسلاح النووي لدفع الإسرائيليين وحلفائهم الأوروبيين لإنهاء العدوان الثلاثي والخروج من الأراضي المصرية. أيضا، اتهم بولغانين نظيره الإسرائيلي بن غريون بانتهاج سياسة يمينية ومساندة الاستعمار والإمبريالية الأوروبية الغربية بالمنطقة. وأمام التهديدات السوفيتية، كثفت المخابرات الأميركية عمليات المراقبة بالمنطقة للبحث عن قوات سوفيتية متمركزة بسوريا أو مصر تزامنا مع إجرائها عمليات استخباراتية لتحديد حجم الترسانة الصاروخية والنووية السوفيتية.
أمام التهديدات السوفيتية والضغط الأميركي لوقف الحرب، اتجه الإسرائيليون والفرنسيون والبريطانيون لسحب قواتهم من المنطقة. من جهة ثانية، ظلت قناة السويس مغلقة لأشهر عقب العدوان الثلاثي. فضلا عن ذلك، أرسلت الأمم قوات دولية لمراقبة الوضع بالمنطقة وتثبيت وقف إطلاق النار.