31 يوما مرت على الحرب التي تفجرت بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في قطاع غزة المحاصر، والذي بات منذ الأمس مقسوماً إلى شطرين، بعد أن فصلته القوات الإسرائيلية.
فعقب 10 أيام من توغلها البري من شمال القطاع والشمال الشرقي والغربي أيضا تمكنت "وحدات النخبة" في الجيش الإسرائيلي من فصل شمال غزة عن جنوبها متقدمة نحو خط الساحل على البحر، رغم الخسائر الفادحة التي تكبدتها (نحو 30 قتيلا).
وفيما يتوقع أن يطول الصراع، بدأ الجيش الإسرائيلي يرى أنه من الضروري الاستعداد للقتال خلال فصل الشتاء، وقد أعد التجهيزات الخاصة بذلك، وفق ما نقلت صحيفة "جيروزاليم بوست"، اليوم الاثنين.
بل بدأ بالفعل عملية مكثفة لتزويد جميع أفراده على جميع الحدود بالتجهيزات الملائمة لفصل الشتاء.
هدف أولي.. ولكن!
وكانت إسرائيل حققت على ما يبدو هدفا أولياً بنظرها، عبر فصل شمال غزة عن جنوبه أو تطويق المدينة التي تعتقد أنها معقل مقاتلي حركة حماس، بإعلان جيشها مساء أمس الأحد وصول فرقة من مدرعاته إلى الطريق الساحلي لمدينة غزة.
إلا أن بعض المراقبين لم يروا في هذا الهدف "أي نجاح".
وفي السياق، أوضح ضابط سابق في المخابرات الأردنية أنه من المبكر الحديث عن أي نجاح لإسرائيل في غزة، حيث لا تزال الطائرات الإسرائيلية تكثف عمليات القصف الجوي بعد 31 يوما من بدء المعارك. وقال العميد السابق عمر الرداد لوكالة أنباء العالم العربي إن استمرار القصف بعد مرور شهر "يعني أن هناك مشاكل يواجهها الجيش الإسرائيلي على الأرض، رغم قوله إن ذلك لا ينفي أن إسرائيل "تضيق الخناق على حماس".
لكن أهداف إسرائيل المعلنة من الحرب تتجاوز بكثير مجرد تطويق حماس، فقد أكدت مرارا وتكرارا أن هدفها القضاء على الحركة تماما وإنهاء وجودها المسلح المستمر في غزة منذ 2007.
إلى ذلك، أوضح الرداد أن "الأمور ستتضح أكثر بعد انتهاء المعارك". لكن لا أحد يمكنه التكهن متى ستضع هذه الحرب أوزارها، ولا حتى من بدأها.
أين تقف إسرائيل على الأرض؟
من جهته، رأى صحافي فلسطيني من غزة عاش حروب إسرائيل على القطاع طيلة 15 عاما، أن القوات الإسرائيلية بوصولها إلى شارع الرشيد الساحلي الحيوي، والسيطرة عليه تكون نجحت في إغلاق كل غرب غزة وقسمت القطاع، لتبدأ بقصف مفارق طرق رئيسية داخله. وأضاف "هكذا يمكنها الضغط على باقي المواطنين في مدينة غزة للخروج".
كما أكد أن معظم سكان منطقة البحر أخلوا مناطقهم مع اشتداد ضربات البوارج على مدى أيام الحرب، مشيرا لاعتقاده بأن أحد أهداف إسرائيل هو إجبار معظم سكان غزة على الخروج منها سيرا على الأقدام "من خلال حواجز إسرائيلية على الهوية".
ولفت إلى أن القوات الإسرائيلية الآن باتت على مشارف مخيم الشاطئ الذي انهارت معظم مساكنه بفعل أسابيع من القصف الإسرائيلي.
كيلومتر واحد من مدينة غزة
كذلك أضاف قائلا "هم الآن في منطقة أبراج الكرامة التي تم تدمير عدد كبير من أبراجها، كما توجد الدبابات بقرب شارع المخابرات ومنطقة فندق المشتل (الموفنبيك سابقا) شمال غربي مدينة غزة".
أما بالنسبة إلى جنوب المدينة، فأوضح أن القوات الإسرائيلية موجودة في منطقة شارع 10 القريب من مستوطنة نتساريم سابقا. حيث تأتي الدبابات بسهولة من شرق غزة لتسلك هذا الطريق ثم تتوغل داخل منطقة شارع عشرة بالقرب من موقع قريش التابع لكتائب القسام".
وتابع قائلا "تسيطر إسرائيل بهذه الطريقة على شمال غربي مدينة غزة وشرقها وجنوبها ويمكنها بكل يسر قطع طريق صلاح الدين وطريق الرشيد (على البحر) من خلال البوارج غربا والدبابات شرقا وجنوبا".
لا إنجاز ميدانيا
لكن الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج اعتبر أن إسرائيل لم تفعل أكثر من الاقتراب لمسافة ما من مناطق شمال غزة لتواصل القصف المدفعي.
كما أضاف "إسرائيل اختارت منطقة شمال وادي غزة وبيت لاهيا وبيت حانون لشن الهجوم.. حاولت اختراق الدفاعات.. لكن لم تحقق إنجازا ميدانيا".
ولخص الموقف بالقول إن "تحقيق النصر يكون بالسيطرة على الأرض".
مجهول في الأنفاق
إلى ذلك، شدد ضابط كبير سابق آخر في الجيش المصري على أن إسرائيل لا تعرف ما ينتظرها أسفل ما تسيطر عليه من مناطق في غزة. وأشار اللواء نصر سالم مستشار الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية في مصر "إسرائيل تحاول الوصول للأنفاق لكنها حتى الآن لم تتمكن من الوصول إليها وهو من أهم أهدافها في هذه العملية البرية".
وأكد أن القوات الإسرائيلية "لا تعرف ماذا يوجد تحت الأرض.. لذا تحاول فصل الدفاعات عن بعضها وتجزئتها لتجرب في كل جزئية على حدة، ولتضرب كل منطقة بشكل منفصل". ورجح أن يكون لإسرائيل ثلاثة ألوية في غزة الآن تعتمد في تحركاتها على قوات استطلاع تعرف باسم "المفرزة".
لكنه قال إن تلك القوات تتراجع بسرعة "بمجرد الاصطدام بقوة من حماس"، ليعود الطيران والمدفعية للقصف.
المعركة الحقيقية
كما شدد على أن "المعركة الحقيقية ستكون عندما تقوم القوات الإسرائيلية باقتحام المدن والأنفاق...ففي هذه الحالة ستتكبد خسائر فادحة لن تستطيع تحملها".
بدوره، أوضح الصحافي الفلسطيني الذي أمضى 26 يوما من الحرب داخل المناطق الساخنة في غزة أن عناصر حماس وغيرها من الفصائل الفلسطينية المسلحة يفاجئون القوات الإسرائيلية بما يصفها بـ"الكماشة"، فيخرجون من عيون أنفاق لا يراها الإسرائيليون.
يشار إلى أنه لا معلومات كافية أو حاسمة ودقيقة متوافرة عن أنفاق غزة، التي يرجح بعض المحللين الفلسطينيين أنها تمتد بطول أكثر من 500 كيلومتر أسفل شوارع ومباني القطاع البالغة مساحته 360 كيلومترا مربعا.
كما يوضحون أن حماس شرعت في بناء تلك الأنفاق في أعقاب سيطرتها على القطاع بعد طرد عناصر السلطة الوطنية الفلسطينية منه في 2007. وراحت الحركة على مدى السنوات المنصرمة تعزز بنية الأنفاق لتجعل منها حصونا لا يعرف الإسرائيليون أولها من آخرها.
فوق الأرض وتحتها
وكانت إسرائيل أكدت سابقاً إطلاق المرحلة الثانية من عمليتها البرية، بالتوغل براً بشكل أعمق، واستكشاف وتحديد الأنفاق.
كذلك، أوضح متحدث عسكري اليوم الاثنين أن القوات الإسرائيلية تستعد لمهاجمة مقاتلي حماس في أنفاقهم ومخابئهم تحت الأرض في شمال قطاع غزة بعد عزل المنطقة بالقوات والدبابات. وقال اللفتنانت كولونيل ريتشارد هيخت للصحافيين "الآن سنبدأ في تضييق الخناق عليهم".
وختم قائلا "عندما أقول نضيق الخناق فهذا يعني فوق الأرض وتحتها أيضا"!