تُعد الحرب الدائرة بين إسرائيل وحماس تحديًا معقدًا ومتعدد الأوجه، ليس فقط من الناحية السياسية والإنسانية، بل أيضًا فيما يتعلق بتأثيراتها على الاستدامة البيئية والانتقال إلى الطاقة الخضراء.
في عالم يزداد وعيًا بالحاجة الملحة لمواجهة تغير المناخ، يثير هذا النزاع تساؤلات حرجة حول كيفية تأثير الحروب والتوترات الجيوسياسية على جهود الحفاظ على البيئة وتبني مصادر الطاقة المتجددة.
بالإضافة إلى الخسائر البشرية، تستهلك الحرب الكثير من الموارد وغالبًا ما ينتج عنها أضرار بيئية كبيرة.
تشمل تكلفة العمليات العسكرية البيئية، تدمير البنية التحتية، والاضطرابات الناجمة عنها في مشاريع وسياسات الطاقة الخضراء، وهي جوانب لا يمكن تجاهلها عند النظر في التأثير الأوسع للحروب.
وفي هذا السياق، يقول الرئيس التنفيذي لشركة الاستشارات المتخصصة بالتكنولوجيا النظيفة والبيئية والاجتماعية والحوكمة "إمباور كابيتال" أندريا زانون، في مقابلة مع "العربية business"، إن الحرب ستؤثر على بعض المفاوضات القائمة في قطاع المناخ عالميا، حيث يعتبر الملف الوطني ذا أولوية لدى الحكومات خلال أوقات الأزمات، مما يعني أن بعض الدول قد تضع أهداف إزالة الكربون جانبًا.
كما يتوقع أنه قد يتم فقدان بعض الزخم الإيجابي، وسوف يتأخر الاستثمار المتعلق بالمناخ تجاه البلدان الضعيفة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وبالرغم من ذلك يرى أنه لا يمكن إيقاف التحول الشامل نحو "النمو الأخضر" أو إبطائه بشكل كبير.
في المقابل، واستنادا إلى الحرب الروسية الأوكرانية، يعتبر زانون أنه يمكن للحروب أن تسرع التحول إلى صافي انبعاثات صفرية، من أجل أن تصبح الدول أكثر أمنا في مجال الطاقة وأقل اعتمادا على الجهات الفاعلة غير المستقرة في إمدادات الطاقة. وهو تحديدا ما قامت به أوروبا والتي كانت تعتمد على روسيا بشكل كبير لإمدادها بالطاقة.
"أكبر تهديد للانتقال إلى الطاقة الخضراء"
رغم أن الدول المنخرطة في الحرب حاليا لا تعتبر من بين الدول المنتجة للنفط مما يعني أنه من غير المرجح أن تؤثر الحرب على إمدادات النفط على المدى القصير، إلا أنه بحال توسع نطاق الحرب لتصبح أزمة إقليمية، فقد نشهد المزيد من التقلبات في أسعار النفط والضغط التصاعدي نحو 100 دولار للبرميل أو حتى أعلى، بحسب زانون.
إذا حدث ذلك، فإن الأسعار المرتفعة ستؤدي إلى المزيد من عمليات التنقيب عن النفط والغاز في جميع أنحاء العالم، مع اندفاع شركات الوقود الأحفوري للاستفادة منها.
"وسيؤدي ذلك إلى زيادة وفرة النفط وبأسعار معقولة مرة أخرى مما يؤدي إلى زيادة الطلب على النفط، مما قد يؤدي إلى تباطؤ الطلب نحو حركة "صافي الانبعاثات الصفرية".
ويعتبر الخبير في الطاقة النظيفة أن أكبر تهديد "للتحول الأخضر" هو تقلب أسعار النفط، حيث أن التأرجح في الأسعار يمنع العديد من المستثمرين البيئيين والاجتماعيين المؤسسيين من التوجه إلى تسويق مشاريع الطاقة المتجددة.
تداعيات الحرب على سلاسل التوريد للطاقة المتجددة
من المرجح، بحسب مقابلة زانون مع "العربية business، أن يؤدي الصراع في فلسطين على غرار الحرب في أوكرانيا، إلى تسريع وليس إبطاء التحول العالمي بعيدا عن الوقود الأحفوري ونحو التكنولوجيات النظيفة مثل الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر والمركبات الكهربائية.
ومع ذلك، فمن أجل الوفاء باتفاقيات باريس للمناخ، والحد من ارتفاع درجات الحرارة إلى أقل من درجتين مئويتين بحلول نهاية القرن، "نحتاج إلى الوصول إلى 4 تريليونات دولار من الاستثمار في الطاقة النظيفة بحلول عام 2030 بدلا من الاستثمار الحالي البالغ 2 تريليون دولار سنويا". بالإضافة إلى ذلك: "لا أعتقد أن الصراع المستمر سيكون له تأثير سلبي كبير على سلاسل التوريد لتكنولوجيا الطاقة المتجددة".
الوكالة الدولية للطاقة: هذه بعض التدابير للحد من "أسوأ" تأثيرات التغير المناخي
وزير الطاقة السعودي: يجب أن نضمن أن "COP28" في الإمارات سيكون ناجحا
ويتوقع أن تؤدي زيادة التقلبات المناخية وموجات الحرارة والأمطار الغزيرة إلى زيادة شدة وتواتر المخاطر الطبيعية مثل الفيضانات وحرائق الغابات وارتفاع مستوى سطح البحر والجفاف، وبالتالي انقطاع إمدادات النفط والغاز.
وفقاً لشركة "Verrisk Maplecroft"، فإن 30% من احتياطيات النفط والغاز العالمية معرضة "لخطر كبير" بسبب اضطراب المناخ مما يحفز بشكل متزايد إنشاء نظام طاقة متجدد ومحلي أكثر.
هل ستتأثر أهداف أميركا المتعلقة بالمناخ بسبب الحرب؟
لا يعتبر زانون، في مقابلته مع "العربية business"، أن الاستثمارات المناخية في الولايات المتحدة قد تتباطأ بسبب الحرب، إذ أن الجهات التنظيمية وأسواق رأس المال تدرك أن هناك خطرًا كبيرًا وفرصة للتعامل معه.
وأشار إلى قانون خفض التضخم والذي وافق عليه الكونغرس في عام 2022 بقيمة 370 مليار دولار. "وقد أحدث هذا الاستثمار الضخم تأثير "الدومينو" على كل من الاتحاد الأوروبي واليابان والهند والصين وكوريا الجنوبية، حيث أعطت جميعها الأولوية لنهج استثماري مماثل.
وارتفع الاستثمار العالمي في الطاقة النظيفة من 1.5 تريليون دولار في عام 2022، بحسب وكالة الطاقة الدولية، ومن المتوقع أن يتجاوز 2 تريليون دولار سنويًا بحلول عام 2030.
وأكد زانون، وهو مستشار سابق للبنك الدولي ومستثمر في الطاقة النظيفة، أن الصراعات المستمرة تدفع البلدان الأخرى إلى محاولة الاستقلال ورفع الأمن في مجال الطاقة، مع إعطاء الأولوية للاستثمار في الابتكار وإزالة الكربون من أجل أن تكون مكتفية ذاتيا وأكثر ابتكارا وأكثر قدرة على المنافسة.
ويقول زانون، مستشهدا لدراسة قامت بها شركة الاستشارات "PWC" تحت عنوان "PwC 2023 State of Climate Tech report"، إلى انخفاض استثمارات تكنولوجيا المناخ من رأس المال الاستثماري والأسهم الخاصة بشكل أقل من القطاعات الأخرى التي تأثرت جميعها بالركود التقني.
وتشير الدراسة إلى انخفاض الاستثمار في التكنولوجيا الخضراء بنسبة 40% في عام 2023 حيث يؤثر عدم اليقين الاقتصادي والصراع الجيوسياسي على ثقة المستثمرين. ومع ذلك، فإن أداء الشراكة المناخية الشاملة والاستثمار في تكنولوجيا المناخ أفضل من القطاعات الأخرى، التي تباطأت بنسبة 50 و60% عن العام الماضي.
مؤتمر المناخ "كوب 28"
أكد الرئيس التنفيذي لـ"إمباور كابيتال" أن التوترات الجيوسياسية الحالية يبعد الاهتمام العالمي عن ملف البيئة والتحول إلى صافي انبعاثات صفرية، ويتجه نحو الاستقرار الإقليمي وأمن إمدادات الطاقة.
كما يتوقع أن يشهد المؤتمر احتجاجات ضخمة من المجتمع المدني لجذب الانتباه إلى كيف أن القصف الإسرائيلي المتصاعد على غزة، وتدميره لأنظمة الطاقة والمياه، يجعل الفلسطينيين أكثر عرضة لخطر التغير المناخي.
بعثت الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، التي اختتمت في المغرب يوم 15 أكتوبر، برسالة قوية لتسليط الضوء على الزخم الكبير للنمو الأخضر.
وكشف الرئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا أن تمويل البنك للمناخ قد تضاعف ثلاث مرات من 11 مليار دولار إلى 39 مليار دولار. كما اعترف المشاركون حينها بأنه هناك حاجة إلى استثمار ما بين 4 إلى 6 تريليون دولار سنويا للمضي قدما لمعالجة مخاطر المناخ.