ما بين يومي 5 و6 سبتمبر 1972، تابع العالم، في خضم الألعاب الأولمبية الصيفية المقامة بمدينة ميونخ الألمانية، واقعة اختطاف أفراد من البعثة الرياضية الأولمبية على يد عناصر من منظمة أيلول الأسود الفلسطينية. وفي خضم العملية، طالبت منظمة أيلول الأسود الإسرائيليين بالإفراج عن حوالي 236 معتقلا بالسجون الإسرائيلية، إضافة لكوزو أوكاموتو (Kōzō Okamoto) المنتمي لمنظمة الجيش الأحمر الياباني الذي اتهم بالوقوف وراء عملية مطار اللد.
إلى ذلك، انتهت عملية الاختطاف بمقتل 11 رياضيا إسرائيليا و5 من المنفذين إضافة لشرطي وطيار مروحية ألمانيين. وبالفترة التالية، أطلقت إسرائيل العنان لعملية استخباراتية اتجهت من خلالها للانتقام من منظمة أيلول الأسود. وقد أسفرت العملية الإسرائيلية عن اغتيال العديد من الشخصيات الفلسطينية من أمثال ممثل منظمة التحرير الفلسطينية بباريس محمود الهمشري.
مبعوث منظمة التحرير الفلسطينية بباريس
ولد محمود الهمشري بمنطقة أم خالد بطولكرم يوم 29 أغسطس 1939. وبادئ الأمر، تلقى الأخير بعضا من تدريسه بطولكرم قبل أن يجبر رفقة عائلته على مغادرة قريته أم خالد التي تحولت فيما بعد لمستوطنة نتانيا. وأثناء فترة شبابه، درس محمود الهمشري بباريس وحصل على الأستاذية بمجال التاريخ. لاحقا، عمل الهمشري كمعلم بكل من الكويت والجزائر وبحلول العام 1967 عاد الأخير لفلسطين، حيث باشر أنشطته لجانب حركة فتح.
سنة 1968، عيّن محمود الهمشري مبعوثا لمنظمة التحرير الفلسطينية بباريس. وهنالك، تعرف الأخير على العديد من الشخصيات السياسية الفرنسية واتجه لتكوين منظمة للم شمل الطلاب الفلسطينيين المقيمين بفرنسا. من جهة ثانية، شغل محمود الهمشري منصب مبعوث منظمة التحرير الفلسطينية بباريس لحين اغتياله على يد الموساد، حيث اتهم الأخير من طرف الإسرائيليين بالضلوع بعملية ميونخ سنة 1972.
هاتف مفخخ
وحسب العديد من المصادر، دبّرت عملية اغتيال محمود الهمشري من طرف وزير المواصلات الإسرائيلي، أهارون ياريف الذي تكفل بملف الإشراف على استهداف قادة أيلول الأسود.
وعام 1972، تقمص أحد أفراد الموساد شخصية صحافي إيطالي، وطلب من محمود الهمشري إجراء لقاء صحافي معه للاطلاع على مجريات الأحداث بخصوص القضية الفلسطينية. ويوم 7 ديسمبر 1972، أجرى محمود الهمشري هذا اللقاء الصحافي. وفي الأثناء، استغل عدد من أفراد الموساد الأمر للتسلل داخل منزله، الواقع بشارع أليزيا (Alésia) جنوب باريس، بغية زرع قنبلة بجهاز هاتفه. وفي حدود الساعة التاسعة صباحا من اليوم التالي، رنّ جرس الهاتف بمنزل الهمشري وما إن رفع الأخير السماعة حتى انفجرت القنبلة متسببة في إصابته بإصابات بليغة عند مستوى الفخذ. وعلى عين المكان، نقل محمود الهمشري نحو المستشفى، حيث مكث لأيام قبل أن يفارق الحياة يوم 9 يناير 1973 بسبب تبعات إصابته.
قبل وفاته، أوصى محمود الهمشري بدفنه بطولكرم. ومع رفض السلطات الإسرائيلية لهذا الأمر، دفن الأخير بمقبرة بير لاشيز (Père Lachaise) بباريس.