على الرغم من انتقال العالم من اعتبار جائحة كورونا "وباء" إلى التعايش معها كمرض موسمي في العديد من الدول ورفع الكثير من الإجراءات الاحترازية، فإن ما أحدثته من تغيير في بيئة العمل لا يزال ملموساً وقد يكون تغيراً لا رجعة فيه.
العمل عن بعد والمساحات المكتبية المشتركة باتت ثقافة منتشرة في العديد من الدول، ومؤخراً مصر. قد تكون أقدم من جائحة كورونا، لكنها أصبحت خياراً شائعاً للعديد من الشركات الناشئة.
خالد كمال، مؤسس مشارك لشركة "CDS" للخدمات التنموية، فضّل نموذج المكاتب التشاركية منذ إطلاق الشركة. قال لـ "العربية Business": "المساحات المكتبية التشاركية كانت الحل الأمثل لشركته، خاصةً أنها تعتمد على بعض الموظفين غير الدائمين للعمل على المشروعات المختلفة بالمؤسسة، لهذا فتوفير مكاتب لهم داخل الشركة يعد أمرا صعبا".
وأضاف: "الشركة توفر لهم مكاتب بمواعيد محددة في أيام محددة ليس كل الوقت كما يسهل من خلالها عقد اجتماعات دورية معهم في مكاتبهم التي أجرتها الشركة لذلك بدون عناء التجهيز للمقر أو مصاريف إدارية إضافية".
الأمر الأكثر إثارة، هو إمكانية عمل ورش عمل في تلك المكاتب بفضل تجهيزها المسبق.
تلعب المكاتب التشاركية دوراً هاماً في تقليل التكاليف للشركات من خلال توفير التكاليف الثابتة وتكاليف التجهيزات المكتبية بالشركات، فضلا عن توفير التكاليف الإدارية، والأكثر من ذلك التوسع بدون التزام طويل الأمد.
وعلى الرغم من أن شركة WeWork العالمية، وهي شركة أميركية توفر مساحات مكتبية مشتركة للإيجار، تأسست في عام 2010، تقدمت بطلب للحماية من الإفلاس في المحكمة الفيدرالية بموجب الفصل 11، إلا أن سوق المساحات المكتبية المرنة حقق نموا في كثير من الدول. احتلت منطقة آسيا والمحيط الهادئ المركز الأول في سوق مساحات العمل المشترك في عام 2022. وكانت أميركا الشمالية ثاني أكبر منطقة في سوق مساحات العمل المشترك، فضلا عن تحقيق نسب نمو واعدة في إفريقيا.
استطلعت "العربية" آراء الشركات العالمية والمحلية حول مستقبل سوق المكاتب التشاركية ومساحات العمل المرنة في مصر، والذين أكدوا أنه مع تزايد الاهتمام بريادة الأعمال وزيادة العمل الحر، من المتوقع أن يزداد الطلب على مساحات العمل المرنة. فضلا عن أن التطور المستمر في البنية التحتية التكنولوجية سيساهم في تعزيز جاذبية مصر كموقع جاذب للاستثمار في مجال المكاتب التشاركية.
مصر سوق واعدة جدا
مع وصول معدلات الإشغال في مكاتب "IWG" في القاهرة إلى مستويات قياسية تجاوزت 92%، قامت الشركة بإطلاق العمل في 15 موقعا جديداً في مصر لتضاف إلى 10 موجودة بالفعل.
قال الرئيس التنفيذي لشركة «IWG» في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، مارك ديكروزاي، لـ "العربية Business"، إن الشركة تستهدف الوصول إلى 100 موقع أو مكتب في مصر يحملون العلامات التجارية للشركة "سبيسز" و"ريجيس" وذلك خلال السنوات الخمس المقبلة سواء في القاهرة، أو الإسكندرية، والبحر الأحمر، والساحل الشمالي، وأيضا صعيد مصر.
وأرجع ديكروزاي، السبب إلى أن سوق المكاتب التشاركية والمساحات المرنة واعدة جدا في مصر بحكم أنها الأكبر سكانا في المنطقة، وتشهد تنمية عمرانية كبيرة، فضلا عن تزايد الانشطة التجارية في العديد من المناطق منها القاهرة الجديدة وغرب القاهرة.
وأشار إلى أن مصر تتمتع باقتصاد وبيئة أعمال سريعة النمو، وتسعى الشركة للتوسع لتلبية الطلب المتزايد على مساحات العمل المختلط وهو مزيجاً من العمل المكتبي التقليدي والعمل عن بعد خارج الموقع.
وأوضح الرئيس التنفيذي لشركة «IWG» أن تكلفة المكاتب التشاركية منخفضة، فضلا عن توفير بنية تحتية جاهزة مثل الإنترنت والهواتف وأثاث المكتب، مما يقلل من الجهد الإداري والتكاليف. وكذلك يمكن الاستفادة من التنوع الجغرافي، فالمكاتب تتوافر بمواقع متعددة يسهل الانتقال بينها في أي وقت.
افتتحت الشركة 612 موقعاً جديداً على مستوى العالم بين يناير ونهاية سبتمبر 2023. وبعد افتتاح المراكز الجديدة، سيصل عدد المواقع التي تشغلها الشركة في الشرق الأوسط وإفريقيا إلى 136 مركزاً.
إقبال من الشركات العالمية
سوق المكاتب التشاركية ومساحات العمل المرنة تحمل أهمية كبيرة للشركات العالمية في مصر لأنه يسمح للشركات بضبط حجم المساحة المكتبية وفقاً لاحتياجاتها، مما يجعلها خياراً جذاباً للمرونة التشغيلية. كما يمكن تلك الشركات من الدخول إلى السوق من دون الحاجة إلى الاستثمار في تأسيس مكاتب دائمة، مما يقلل من تكاليف بدء النشاط، فضلا عن أن توفير بنية تحتية جاهزة يمكن للشركات العالمية التوسع بسرعة وكفاءة في مصر، خاصةً في ظل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، بحسب محب زكي، مؤسس شركة "مكانك" للمساحات المكتبية.
وأشار في تصريح لـ "العربية Business"، أن مفهوم المكاتب التشاركية واجه في بدايته مشكلات كثيرة منها عدم تقبل الفكرة وتفضيل فتح مكاتب داخل شقق سكنية، ولكن مع مرور الوقت اقتنع العديد من رواد الأعمال، والشركات الناشئة، بأهمية العمل من خلال المكاتب التشاركية لما توفره من مزايا عديدة لا تتواجد في الشقق السكنية.
ويرى أن العاصمة الإدارية الجديدة ستصبح منطقة واعدة وجاذبة للشركات الأجنبية والمحلية، مؤكدا على أهمية وجود إدارة مرافق ذات جودة عالمية لتلك المكاتب.
نمو مطرد
قال زكي إن عدد مستخدمي ومطوري المكاتب التشاركية في مصر تزيد سنويا بمعدل 100 إلى 150%، متوقعا نمو أكبر لهذا السوق خلال العشر سنوات القادمة.
وبينما يرى كريم الزهار المدير التنفيذي لـ "The Office Business Hub"، أن سوق المكاتب التشاركية ومساحات العمل المرنة سينمو بنسبة 60% خلال الثلاث سنوات المقبلة.
ويشكل رواد الأعمال حوالي 70% من إجمالي مستخدمي المساحات المكتبية، بينما نسبة الـ 30% المتبقية تتراوح ما بين الشركات العالمية والمحلية التي تفتح مراكز مكتبية لها في أكثر من مكان، وفقا لـ "الزهار".
وتوقع تحول الكثير من الشركات إلى استخدام المكاتب التشاركية بدلا من تأجير وحدات بتراخيص سكنية لفتح فروع ومكاتب لها، وهو بدوره سيزيد الإقبال على تلك المكاتب وخاصة في شرق القاهرة، متوقعاً أن يحدث ذلك خلال السنوات الثلاث المقبلة.
طلب غير ملبى
بدوره، قال مدير مكتب "جيه إل إل" في مصر، أيمن سامي، إن توفير مساحات العمل المرنة في مصر يعزز من قدرة الشركات العالمية على الاندماج بسهولة والاستفادة من فرص السوق المصري المتزايدة.
وأضاف في تصريح لـ “العربية Business"، "لا يزال النشاط العام في سوق المساحات المكتبية ضعيفاً، موضحا أنه لا يوجد إحصائية حول عدد المطورين أو المستثمرين في هذا السوق لأنه يعد سوق صغير نسبيا".
وأوضح أن قطاع المساحات المكتبية في القاهرة لم يشهد إنجاز أي مشاريع كبرى ليبقى إجمالي مخزون السوق مستقراً عند حوالي 1.94 مليون متر مربع. ونظراً لحالات التأخير في إنجاز المشاريع.
توقعت شركة جيه إل إل، في تقرير حديث لها، تسليم 29 ألف متر مربع من المساحات المكتبية خلال الربع الأخير من العام الحال، كما أنه لم يتم تسليم مساحات مكتبية خلال الربع الثالث.
ومن المتوقع أن تشهد السوق أيضاً إنجازا من العديد من مشاريع المساحات المكتبية من الفئة "أ" خلال العامين أو الثلاثة أعوام القادمة، ما يعالج الفجوة الحالية بين العرض والطلب على المساحات المكتبية عالية الجودة.
إقبال من المطورين
كما كشفت شركة ماجد الفطيم، نهاية الشهر الماضي، عن خطتها لافتتاح 5 مساحات عمل حديثة من علامتي ريجس وسبيسز في مصر وسلطنة عُمان والإمارات العربية المتحدة، بالتعاون مع إنترناشيونال وورك بليس (IWG)، المزود العالمي الرائد لمساحات العمل عن بُعد المرنة.
قال خليفة بن بريك، الرئيس التنفيذي لشركة ماجد الفطيم لإدارة الأصول، تعليقا على الشراكة، "الطلب على أماكن عمل مرنة وعالية الجودة يشهد ارتفاعاً مستمراً بالتزامن مع زيادة الاعتماد على نموذج العمل عن بُعد. ومن المخطط افتتاح مركز سبيسز في يوليو 2024 على مساحة 2220 متر مربع في مول مصر، غرب القاهرة".
من جانبه، قال أشرف عوض رئيس مجلس إدارة مجموعة اڨا مينا AVA MINA GROUP – المتخصصة فى مجال التطوير العقارى– إن مساحات العمل التشاركي أصبحت ضرورية، خاصةً للشركات الناشئة والشركات العالمية التي لديها الرغبة في استئجار مساحات خاصة، كما شهدت نموا سريعا في الفترة الاخيرة بسبب التسهيلات التي تقدمها تلك المكاتب وتوفر الكثير من التفاصيل الادارية التي ترهق الشركات ورواد الأعمال.
أضاف عوض لـ "العربية Business": "سوق المساحات المرنة التشاركية يعد سوق حديث نسبياً في مصر، وبدء ظهور مفهوم مساحات العمل التشاركية في مصر عام 2007، وانتشر بشكل فعلي عام 2013، بينما الآن، تزداد أعداد تلك المساحات بشكل مستمر، وتسعى أغلب الشركات إلى توفير مزايا تنافسية لجذب مزيد من العملاء".
وتنفذ الشركة مشروع N MALL بالعاصمة الادارية الجديدة الذي يتضمن مكاتب عمل تشاركية وإدارية للشركات بمساحات بين 40 و50 متر و60 متر.
نمو عالمي
سينمو سوق مساحات العمل المشترك العالمي من 16.17 مليار دولار في عام 2022 إلى 19.05 مليار دولار في عام 2023 بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 17.8%، وفقا لتقرير السوق العالمي لمساحة العمل المشترك 2023.
وبحسب التقرير، من المتوقع أن ينمو سوق مساحات العمل المشترك إلى 34.99 مليار دولار في عام 2027 بمعدل نمو سنوي مركب قدره 16.4%.
وأوضح التقرير أنه يتم تحديد سوق مساحات العمل المشترك بشكل رئيسي من خلال الزيادة في عدد الشركات الناشئة على مستوى العالم، ووفقاً لتقرير النظام البيئي العالمي للشركات الناشئة لعام 2021، الصادر عن Startup Genome، بلغت قيمة الاقتصاد العالمي للشركات الناشئة 3.8 تريليون دولار، لذلك، أدى ارتفاع عدد الشركات الناشئة في مختلف الصناعات على مستوى العالم إلى زيادة الطلب على مساحات العمل المشترك، لتظل المحرك لهذا القطاع الناشئ.